الانتفاضة
في ظل التطورات المتسارعة على منصات التواصل الاجتماعي، برزت خلال الأشهر الماضية ظاهرة ملفتة تتعلق بأشخاص من أصول مغربية مقيمين بالخارج، يرفعون شعارات الدفاع عن “المغرب والمغاربة”، لكن تحقيقات ميدانية كشفت أنهم مجرد أدوات تُحركها أجهزة استخبارات أجنبية لاستهداف مؤسسات الدولة المغربية عبر ابتزاز إلكتروني ممنهج، ونشر أخبار زائفة تمس بسمعة الأفراد والمؤسسات، ولا تؤثر إلا على ضعاف النفوس.
ووفق مصادر متطابقة، فإن الهدف من تجنيد هؤلاء “المعارضين الوهميين” هو زعزعة ثقة المواطنين في مؤسسات حيوية مثل التعليم والصحة والأمن والقضاء، عبر خلق سردية مضللة تُصوِّر المغرب كدولة فاشلة، وذلك عبر استغلال حسابات نشطة على منصات كـ”يوتيوب” و”تيك توك”.
هشام جيراندو: من تزوير الهويات إلى صناعة السموم الرقمية
في قلب هذه القضية يطفو اسم هشام جيراندو (صاحب السوتيانات)، مغربي مقيم في كندا منذ سنوات، ويُعتبر نموذجاً لـ”المعارضة المأجورة”، بحسب تقارير. وُلد جيراندو عام 1976 في منطقة “هرممو” (إقليم صفرو)، ودرس الأدب الإنجليزي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، قبل أن يهاجر إلى ليبيا أوائل الألفية، حيث ارتبط – وفق مصادر – بشبكات لتجارة البشر وتزوير الجوازات، ما مكنه من تكوين ثروة مالية سريعة.
عاد جيراندو إلى المغرب عام 2003، لكن مشاريعه التجارية باءت بالفشل، ليتحول إلى النصب في مجال العقارات، قبل أن يفرّ إلى كندا عام 2008، حيث أعلن عن تحوّله المفاجئ إلى “رجل أعمال ناجح”، وامتلاكه علامتين تجاريتين في مجال النسيج (“Jerando” و”Jenaro”)، وشركة تُدعى “Gops7″، بالإضافة إلى عضويته في مجلس إدارة “الشركة المركزية لتطوير الأعمال” بمونتريال.
ثروة مُريبة واتهامات بتبييض الأموال
رغم ادعاءاته، تشكك دوائر أعمال كندية في مصدر ثروة جيراندو، حيث أشارت تقارير محلية إلى شبهات تبييض أموال وتهرّب ضريبي، عبر استغلال منصبه في الشركة المركزية لتطوير الأعمال لتحقيق مكاسب شخصية. بل إن مصادر قريبة من ملفه تؤكد أن أجهزة استخبارات دولية استغلّت هذه الخلفية لتجنيده، مقابل حمايته من الملاحقة القضائية، ومدّه بتمويلات لخلق محتوى تحريضي ضد المغرب.
استراتيجية التحريض: شاشات صغيرة لمخططات كبيرة
تحوّل جيراندو إلى ناشط رقمي مفاجئ، ينشر عبر قنواته فيديوهات تُهاجم شخصيات مشهود لها بالكفاءة ومؤسسات مغربية بطريقة ممنهجة، معتمداً على معلومات مُعدّة مسبقاً من جهات خارجية – وفق تحليل خبراء – بهدف تشويه صورة التقدم الذي تشهده المملكة في مجالات التنمية والأمن والتعاون الدولي.
وتكشف مراجعة لمحتواه عن تناقضات صارخة؛ فبينما يتحدث باسم “الدفاع عن المغرب”، تُظهر تحليلات لغوية أن مصطلحات مثل “المخزن” و”الفاسدين” تُستخدم بتكرار لخلق انطباع بوجود أزمة، في وقت تُشيد تقارير دولية بنموذج المغرب في الاستقرار والتنمية.
هل الجزائر وراء الأجندة الخفية؟
تشير أصابع اتهام إلى أن هذه الحملات التضليلية جزء من استراتيجية دول معادية للمغرب، وعلى رأسها الجزائر، لزعزعة استقراره عبر “حروب الجيل الرابع”، التي تعتمد على صناعة معارضة وهمية واختراق الرأي العام. ويُعتقد أن جهات أجنبية درّبت جيراندو على تقنيات التأثير الرقمي، لتحويله إلى “بوق” يُعيد ترديد سرديات جاهزة دون فهمٍ لتفاصيلها، بحسب مصادر مقربة منه.
مطالبات قضائية بكندا: كشف الحسابات
في ردود فعل محلية، طالب ناشطون كنديون – عبر منشورات على “فيسبوك” – بفتح تحقيق عاجل في أنشطة جيراندو، خاصة مع اتهامات له بـ”التشهير” و”انتهاك الخصوصيات” و”تزوير الوقائع”. كما دعوا السلطات الضريبية والأمنية في مونتريال إلى مراجعة ثروته المشبوهة، وتحري وجود شبكة دولية لتبييض الأموال قد تُهدد الاقتصاد الكندي نفسه.
وتبقى ظاهرة “الوكلاء الرقميين” اختباراً حقيقياً لوعي المواطن المغربي، وقدرته على تمييز الحقائق من الأكاذيب المصنوعة بخيوط استخباراتية معادية للمغرب. ففي زمن الحروب الهجينة، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح التقليدي، بل بسلاح المعلومات، مما يتطلب تضافر الجهود الإعلامية والأمنية والقانونية لتعريتها وحماية المصلحة الوطنية.
التعليقات مغلقة.