الانتفاضة/ بقلم: نورالدين الناصري
كل خمس سنوات، تعود الكرنفالات ، لا يعود معها الماء الصالح للشرب، ولا تعود معها حافلة النقل، ولا يعود معها طبيب للمركز الصحي المغلق ، ما يعود فقط هو “الزعيم” ، في حلة جديدة وبدلة انيقة .
ينزل من سيارتهم المصفحة في دواوير لا يعرفونها الخريطة إلا وقت الانتخابات. فيستقبلون بالتصفيق، والزغاريد، وحلقات الرقص، نساء ملتحفات ، شباب يضربون بالدفوف، أطفال يحملون صور الزعيم ، مشهد “تمثلي ” تبثه المواقع الإلكترونية في اخر الليل كأنه آخر كأس في حانة، طبعا تحت عنوان: “التفاف شعبي حول الزعيم “.
لكن دعونا نسمي الأشياء بأسمائها: هذا ليس التفافاً ، هذا رقص على أنقاض الكرامة ، خصوصا في منطقتنا المنكوبة ، التي عانت من تبعات الزلزال .
في الاقتصاد السياسي الرقص عملة. خصوصا في المداشير المهمشة، الفقر ليس قدراً، لقد تمت إدارته بعناية ، تُترك المدرسة بلا أساتذة حتى يصبح “كيس القمح” حدثاً ، يُترك الشباب يعيش في الفراغ ، بلا عمل ولا ترفيه ، حتي ينادي عليه ليحتفل بالزعيم وفوز بعرض محدود ” لحم ، سفة ، دجاج ، 200 درهم وحافلة” ، في هكذا وضع يصبح هذا إنجاز
يشتريه الزعيم بالجملة. الثمن؟ طبعا ساعة من الرقص، وصورة، وتصويت.
لقد تحول المواطن من صاحب حق دستوري إلى “كومبارس” في إعلان انتخابي ، والأدهى أننا سمينا هذا “المشاركة السياسية”.
الزعيم يربح مقعداً، وصورة، وخطاباً عن “القرب من المواطن”. لكن الساكنة المهمشة تخسر مرتين:
مرة حين ترقص وهي تعلم أن الوعود كاذبة.
ومرة ثانية بعد أشهر، حين يغلق الهاتف، وتنسى المداشير ، ويبقى الطين في الشتاء كما هو.
والخسارة الأكبر هي على المدى الطويل، نحن نربي جيلاً كاملاً يعتقد أن العلاقة بينه وبين الدولة هي: “أنا أرقص، وأنت تعدني”، علاقة سيد وتابع، لا علاقة حقوق وواجبات.
لا نرمي اللوم كله على “الساكنة البسيطة ، فالجوع كما يقال كافر ، ومن لا يجد دواء لابنه سيرقص حتى للشيطان إن وعده بالشفاء.
المسؤولية الأولى على النخب السياسية التي حولت العمل العام إلى بورصة أصوات ، والتي بنت قصورها من عرق المهمشين ثم عادت لترقص فوق هذا العرق.
والمسؤولية الثانية على الدولة التي تركت فراغاً اجتماعياً وخدماتياً، فملأه تجار الانتخابات بالخبز والرقص.
طبعا الحل في أن نكسر الدف ، الحل ليس أن نمنع الناس من الفرح ، الرقص حق، والفن مقاومة ، لكن أن نعمل على تقويض هذا “الدف الانتخابي” ونستبدله بأدوات أخرى: مثل المساءلة لا تصوت لمن لا يقدم حصيلة عمله، لا لمن يرقص معك.
2. مثل التنظيم الذاتي: جمعيات الأحياء يجب أن تتحول من منظمي الحفلات إلى مراقبين للميزانيات.
3. مثل الإعلام البديل : أن ننشر صورة الزقاق في اليوم العادي، لا صورة الزعيم وهو يرقص.أيها الزعيم: لن نحتاجك لترقص معنا. احتفظ برقصك لحفل زفافك.
نحن نحتاجك لتصلح المجاري التي تغرقنا في الشتاء، ولتشغل المعطلين، ولتفتح المستشفى.
وحين تفعل ذلك، أقسم لك أننا سنرقص… لكن رقص فرح، لا رقص استجداء.
حينها فقط، سيكون للرقص شرف.
* باحث سوسيولوجي