الانتفاضة / إبراهيم السروت
في المغرب، لم يعد السؤال اليوم هو من يحكم؟ بل أصبح السؤال الأعمق: من يملك القدرة على التأثير في المشهد السياسي والإعلامي والاقتصادي؟
إن رئيس الحكومة عزيز أخنوش يوجد في قلب النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره رئيسا للحكومة، وإنما باعتباره رجل أعمال وسياسيا راكم نفوذا واسعا داخل المشهد المغربي. وهذا وحده يجعل من حق المغاربة أن يطرحوا الأسئلة، وأن يطالبوا بالتوضيح والشفافية، دون تخوين أو تشهير ودون تحويل الاتهامات غير المثبتة إلى حقائق.
فحين يتحدث المواطنون عن نفوذ المال في السياسة والإعلام، فإن المطلوب ليس إسكاتهم، وإنما فتح نقاش جدي حول استقلالية المؤسسات، وتكافؤ الفرص، وشفافية العلاقة بين المال والسياسة والإعلام.
أما الصحافة، فدورها ليس التصفيق للحكومة ولا مهاجمة الحكومة، وإنما مراقبة السلطة وكشف الاختلالات والدفاع عن حق المواطن في المعلومة. الصحافة التي تخاف من السؤال تفقد جزءاً من معناها، والصحافة التي تتحول إلى بوق لأي جهة تفقد ثقة القارئ.
لكن الأخطر من كل ذلك هو أن المواطن المغربي يشعر، في كثير من الأحيان، بأن صوته لا يصل إلى مراكز القرار إلا بعد أن تتحول معاناته إلى أزمة أو مأساة.
وأحداث سبتة ومليلية أعادت هذه الأسئلة بقوة إلى الواجهة. خلف كل رقم في حصيلة الوفيات قصة إنسان، وخلف كل شاب حاول العبور حلمٌ بالعيش الكريم، وخلف كل أم تنتظر ابنها مأساة لا يمكن اختزالها في بلاغ رسمي أو تصريح سياسي.
وهنا يجب أن نكون واضحين: حماية الحدود مسؤولية الدولة، لكن حماية كرامة المواطن مسؤولية الدولة أيضا.
لا يمكن اختزال أزمة الهجرة في الأسلاك والحواجز والقوات الأمنية. فالشاب الذي يرى مستقبله مسدوداً، ويعتقد أن الضفة الأخرى تمنحه فرصة أفضل، يحتاج قبل كل شيء إلى مغرب يمنحه الأمل في الداخل.
وفي هذا السياق، يعود اسم النقيب محمد زيان إلى النقاش العام. الرجل موجود خلف القضبان، وقد صدرت في حقه أحكام قضائية، وهو أمر يجب احترامه باعتباره جزءا من مسار العدالة. لكن ذلك لا يعني أن الأفكار والمواقف التي عبر عنها خلال مسيرته السياسية والحقوقية يجب أن تُدفن معه داخل السجن.
فالعدالة شيء، والنقاش السياسي والحقوقي شيء آخر.
وإذا كان المغرب يريد فعلاً بناء دولة المؤسسات، فإن المطلوب هو أن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والصحافة أقوى من المال، والمواطن أقوى من الخوف.
أين الشعب المغربي؟ أين الوعي؟ أين الصدق والإخلاص؟
هذه ليست أسئلة موجهة إلى الحكومة وحدها، وإنما إلى الجميع: الأحزاب، والنخب، والإعلام، والمجتمع المدني، والمواطنين.
فالمغرب لا يحتاج إلى مزيد من التصفيق، بل يحتاج إلى مزيد من الصراحة.
ولا يحتاج إلى إعلام يخشى أصحاب النفوذ، بل إلى إعلام مهني مستقل يضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
حفظ الله جلالة الملك محمد السادس، ورحم الله الملك الحسن الثاني، ورحم الله كل أبناء هذا الوطن الذين فقدوا أرواحهم في مآسي الهجرة.
ويبقى الدرس واضحا:
حين يفقد المواطن الأمل في الداخل، يصبح الخارج حلماً. وحين يصبح الحلم أخطر من الموت، فالمشكلة ليست في الشباب وحدهم، وإنما في الواقع الذي دفعهم إلى المغامرة.
والفاكهم يفهم.