جدل حقوقي حول معالجة قضية فتيات قرية با محمد

0

الانتفاضة/ سلامة السروت

أثار بلاغ تحالف “ربيع الكرامة” حول قضية الفتيات القاصرات بقرية با محمد نقاشا واسعا بشأن كيفية تناول قضايا العنف والاستغلال الجنسي في الفضاءين الإعلامي والرقمي، وحدود المسؤولية المهنية والأخلاقية في التعاطي مع ملفات حساسة تمس فئات في وضعية هشاشة، خاصة القاصرات. وقد ركز التحالف في موقفه على ما اعتبره انتشاراً لخطابات الوصم والتشهير والتمييز، التي لا تكتفي بنقل الخبر أو الوقائع العامة، بل تتجاوز ذلك إلى تحميل الضحايا المفترضات جزءا من المسؤولية، أو تقديمهن في صورة تُغفل كليا مبدأ الحماية الذي يكفله القانون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الطفل.

وشدد التحالف على أن أي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال الجنسي أو الاتجار بالبشر يعد انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، يستوجب التعامل معه بمنطق المساءلة القضائية الصارمة، وعدم التساهل مع أي طرف يثبت تورطه. غير أن التحالف، في المقابل، ركز على ضرورة أن يتم تناول هذه القضايا ضمن مقاربة حقوقية شاملة، تضع كرامة الضحايا وسلامتهن النفسية والجسدية في صلب الأولويات، بعيدا عن أي أحكام مسبقة أو تسريبات قد تضر بمسار العدالة أو تعيد إنتاج العنف ضد المتضررات. كما أشار إلى أهمية احترام قرينة البراءة وسرية التحقيقات، باعتبارهما ضمانتين أساسيتين في أي نظام قضائي عادل.

ويأتي هذا الموقف في سياق تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى بعض التغطيات الإعلامية ومنشورات منصات التواصل الاجتماعي، التي تتعامل مع قضايا مشابهة بأسلوب يميل أحيانا إلى التشهير أو الإثارة أو التركيز على تفاصيل شخصية لا صلة لها بجوهر الوقائع. ويعتبر “ربيع الكرامة” أن هذا النوع من المعالجة لا يسهم فقط في إضعاف فرص تحقيق العدالة، بل يؤدي أيضا إلى تعميق معاناة الضحايا وإعادة إنتاج أشكال جديدة من العنف الرمزي والاجتماعي، حيث تتحول الضحية من موضوع حماية إلى موضوع حكم اجتماعي قاسٍ.

وأكد التحالف أن التعامل مع الفتيات القاصرات، في حال تعرضهن لأي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال، يجب أن ينطلق من اعتبارهن ضحايا بحاجة إلى حماية ودعم ومواكبة نفسية واجتماعية وقانونية، وليس موضوعا للإدانة أو الوصم أو التحليل الأخلاقي. فالمقاربة الحقوقية، وفق تصوره، تقتضي تفكيك أسباب الهشاشة التي تجعل بعض الفئات أكثر عرضة للاستغلال، بدلا من التركيز على تحميل الضحايا مسؤولية ما تعرضن له. كما أن التسرع في إصدار الأحكام، سواء في الإعلام أو في النقاش العمومي، قد يؤدي إلى تقويض مبدأ العدالة ذاته، وإلى التأثير سلبا على مجريات التحقيقات القضائية.

ويرى التحالف أن من أخطر ما يمكن أن يصاحب مثل هذه القضايا هو الانزلاق نحو خطاب اجتماعي يركز على تقييم سلوك الضحايا أو حياتهن الخاصة، وهو خطاب يعتبره امتداداً لثقافة التمييز القائم على النوع الاجتماعي، والتي تؤدي إلى إعادة إنتاج الصور النمطية حول الفتيات والنساء. فبدلاً من توجيه النقاش نحو المسؤوليات الحقيقية، سواء الفردية أو الجماعية أو المؤسساتية، يتم أحياناً تحويله إلى مساءلة أخلاقية للضحايا أنفسهن، وهو ما يعتبره التحالف انحرافاً عن جوهر القضية.

وفي هذا السياق، دعا “ربيع الكرامة” إلى ضرورة التركيز على تفكيك شبكات الاستغلال، والكشف عن كل المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بهذه الأفعال، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو استفادته منها دون استثناء. كما شدد على أن العدالة لا يمكن أن تتحقق بشكل كامل إذا لم يتم ضمان عدم الإفلات من العقاب، وفي الوقت نفسه حماية الضحايا من أي أشكال ضغط أو تشهير أو إعادة إيذاء خلال مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة.

كما أشار البلاغ إلى أن المقاربات التي تركز على الأحكام الأخلاقية أو الرقابة على الحياة الخاصة للفتيات لا تقدم أي إضافة حقيقية في معالجة جذور المشكلة، بل قد تؤدي إلى تعميقها عبر خلق بيئة اجتماعية طاردة للضحايا، تجعل من الإفصاح عن العنف أمراً محفوفاً بالخوف من الوصم والرفض الاجتماعي. وهذا الوضع، حسب التحالف، يساهم في إضعاف منظومة الحماية ويقلل من قدرة المجتمع على التصدي الفعلي لظواهر الاستغلال.

ويذهب التحالف أبعد من ذلك حين يعتبر أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب أيضاً مراجعة أوسع للسياسات العمومية المرتبطة بحماية الطفولة والنساء، خاصة في ما يتعلق بآليات الوقاية والتكفل ومعالجة عوامل الفقر والهشاشة الاجتماعية والإقصاء، التي تشكل بيئة خصبة لانتشار أشكال مختلفة من العنف. فالقضية، في نظره، ليست فقط قضية قانونية أو جنائية، بل هي أيضاً قضية اجتماعية وثقافية تتطلب تدخلاً متعدد المستويات.

وفي إطار تعزيز الحماية المؤسساتية، دعا التحالف الهيئات التنظيمية للقطاع الإعلامي والسمعي البصري، مثل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمجلس الوطني للصحافة، إلى القيام بدورها في مراقبة احترام أخلاقيات المهنة، والتصدي للمضامين التي تنتهك كرامة الضحايا أو تساهم في إعادة إنتاج الصور النمطية أو نشر تفاصيل تمس الحياة الخاصة. كما شدد على ضرورة التوازن بين حرية التعبير وحق الجمهور في المعلومة من جهة، وحق الأفراد في الخصوصية والكرامة من جهة أخرى، باعتبار أن هذا التوازن يشكل حجر الزاوية في أي معالجة إعلامية مسؤولة.

ولم يغفل البلاغ الإشارة إلى الفضاء الرقمي، الذي أصبح اليوم أحد أبرز ساحات تداول الأخبار والمعلومات، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج العنف الرمزي والتشهير بشكل أسرع وأوسع. لذلك دعا التحالف إلى تطوير آليات أكثر فعالية للرصد والتدخل، من أجل الحد من الانتهاكات الرقمية، مع ضمان عدم المساس بحرية التعبير، ولكن في إطار يحترم حقوق الإنسان والمعايير الأخلاقية والمهنية.

وفي المحصلة، يعكس موقف “ربيع الكرامة” توجهاً حقوقياً يعتبر أن قضايا العنف ضد الفتيات القاصرات لا يمكن اختزالها في بعدها الجنائي فقط، بل هي قضايا مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقانونية والإعلامية. كما يؤكد على أن حماية الضحايا يجب أن تكون أولوية مطلقة، وأن أي معالجة إعلامية أو نقاش عمومي يجب أن يلتزم بالمسؤولية الأخلاقية، لتجنب تحويل معاناة الضحايا إلى مادة للتشهير أو الاستهلاك الإعلامي. وفي ظل هذا السياق، يظل التحدي الأساسي هو بناء وعي جماعي يوازن بين الحق في المعلومة وحق الضحايا في الكرامة والحماية، بما يضمن عدالة لا تكتفي بالعقاب، بل تسعى أيضاً إلى الإنصاف وعدم إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.