قضية “بن نسناس” أمام القضاء..جدل واسع حول حدود المحتوى الرقمي بالمغرب

0

الانتفاضة/ سلامة السروت

أعاد ملف صانع المحتوى المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم “بن نسناس” إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب إشكالية حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، والعلاقة بين صناعة المحتوى والسعي وراء المشاهدات من جهة، واحترام القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع من جهة أخرى. فقد قرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتمارة إيداع المعني بالأمر سجن العرجات 1 ومتابعته في حالة اعتقال، على خلفية اتهامات تتعلق بالإساءة إلى الدين الإسلامي والاعتداء على الحيوانات والتهديد بارتكاب أفعال مجرمة قانونا.

وتأتي هذه القضية في سياق يشهد فيه الفضاء الرقمي المغربي تحولات متسارعة، حيث أصبح عدد من صناع المحتوى يعتمدون أساليب مثيرة للجدل من أجل تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة واستقطاب أكبر عدد من المتابعين. غير أن هذا السباق نحو “البوز” أو الشهرة الرقمية يطرح تساؤلات متزايدة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمؤثرين وصناع المحتوى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمضامين قد تمس بالمقدسات الدينية أو القيم المجتمعية الراسخة.

ووفق المعطيات المتداولة، فإن القضية تفجرت عقب نشر مقطع فيديو أثار استياء واسعا لدى فئات مختلفة من المجتمع المغربي، حيث اعتبره كثيرون تجاوزا للخطوط الحمراء المتعلقة باحترام الدين الإسلامي ومشاعر المواطنين. وسرعان ما انتشرت دعوات على منصات التواصل الاجتماعي تطالب بفتح تحقيق في الواقعة وترتيب الآثار القانونية اللازمة، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى التفاعل مع الموضوع واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

وتبرز أهمية هذه القضية في كونها لا ترتبط فقط بشخص أو واقعة معزولة، بل تعكس ظاهرة أوسع تتمثل في تنامي المحتويات الصادمة أو الاستفزازية التي يتم إنتاجها ونشرها بغرض تحقيق التفاعل السريع وجلب المشاهدات. فمع تطور المنصات الرقمية وتزايد المنافسة بين صناع المحتوى، أصبح البعض يلجأ إلى أساليب مثيرة للجدل أملا في تحقيق الانتشار السريع، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الأخلاقية أو المعايير القانونية.

ويؤكد عدد من المتابعين للشأن الرقمي أن حرية التعبير تظل حقا أساسيا ومكفولا، غير أنها ليست حقا مطلقا، بل تقف عند حدود احترام القانون وحقوق الآخرين والمقدسات الدينية والثوابت الوطنية. فالمجتمعات الديمقراطية نفسها تضع ضوابط قانونية وأخلاقية تمنع التحريض على الكراهية أو الإساءة إلى الأديان أو ممارسة أفعال من شأنها الإضرار بالنظام العام أو السلم المجتمعي.

وفي هذا السياق، يرى مهتمون بالشأن القانوني أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخول لها تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات وفقا لما تنص عليه القوانين الجاري بها العمل. لذلك فإن احترام قرينة البراءة يظل أمرا أساسيا إلى حين صدور حكم قضائي نهائي، مع ضرورة ترك المجال للمؤسسات المختصة للقيام بعملها بعيداً عن أي ضغوط أو أحكام مسبقة.

من جانب آخر، سلطت هذه القضية الضوء على الدور المتنامي الذي أصبحت تلعبه الجمعيات والمنظمات المدنية في تتبع المحتوى الرقمي والتبليغ عن التجاوزات المحتملة. فقد بات المجتمع المدني شريكا أساسيا في النقاش المرتبط بحماية الفضاء الرقمي وضمان استعماله بشكل مسؤول، خاصة في ظل التأثير الكبير الذي أصبحت تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي على فئات واسعة من الشباب والمراهقين.

كما أعادت الواقعة إلى الواجهة النقاش حول ضرورة تعزيز التربية الرقمية لدى الناشئة. فالتحديات التي يفرضها العصر الرقمي لا يمكن مواجهتها فقط من خلال المقاربة الزجرية أو القانونية، بل تتطلب أيضا نشر ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والوعي واحترام الآخر. ومن هنا تبرز أهمية الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في ترسيخ قيم المواطنة الرقمية وتشجيع الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا.

ويؤكد خبراء في مجال الإعلام الرقمي أن نجاح أي استراتيجية لمحاربة المحتويات الضارة أو المسيئة لا يقتصر على العقوبات القانونية فقط، بل يستلزم كذلك إنتاج محتوى هادف وجذاب قادر على المنافسة واستقطاب اهتمام الجمهور، خصوصا فئة الشباب. فكلما توفرت بدائل إعلامية وثقافية ذات جودة عالية، تراجع تأثير المحتويات التي تعتمد على الإثارة أو الاستفزاز لتحقيق الانتشار.

وفي الوقت ذاته، يلاحظ متابعون أن المنصات الرقمية العالمية أصبحت تواجه بدورها ضغوطا متزايدة من مختلف الدول والمجتمعات من أجل تعزيز آليات الرقابة على المحتويات المخالفة للقوانين أو المسيئة للقيم العامة. ورغم التطور الكبير الذي عرفته سياسات الإشراف على المحتوى، فإن التحديات لا تزال قائمة بسبب الحجم الهائل للمواد المنشورة يوميا عبر الإنترنت.

ومهما كانت مآلات هذه القضية، فإنها تشكل مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المحتوى الرقمي بالمغرب، وحدود المسؤولية الملقاة على عاتق المؤثرين وصناع المحتوى، ودور المؤسسات التربوية والإعلامية في بناء فضاء رقمي صحي ومتوازن. كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية حرية التعبير وضمان احترام القيم الدينية والأخلاقية التي تشكل جزءا من هوية المجتمع المغربي.

وفي انتظار ما ستسفر عنه جلسات المحاكمة المقبلة، يبقى الأكيد أن قضية “بن نسناس” تجاوزت حدود واقعة فردية لتتحول إلى ملف مجتمعي يعكس التحولات العميقة التي يشهدها العالم الرقمي، ويطرح تحديات جديدة أمام القانون والمؤسسات والمجتمع ككل. وهي فرصة أيضا للتفكير في سبل تعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية، حتى تظل منصات التواصل فضاءات للتواصل والإبداع والمعرفة، لا مجالا للإساءة أو الاستفزاز أو البحث عن الشهرة بأي ثمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.