الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمراكش الستار، بشكل ابتدائي، على واحد من الملفات التي أثارت اهتمام الرأي العام المحلي خلال السنوات الماضية، والمتعلق بما بات يعرف بملف سوق الخضر والفواكه بالجملة بمراكش، بعدما أصدرت أحكامها في القضية المسجلة تحت عدد 2019/2623/952، والتي توبع فيها عدد من المسؤولين والموظفين والأشخاص في حالة سراح بتهم تتعلق بتبديد أموال عامة موضوعة تحت أيديهم والتزوير في أوراق رسمية.
وشهدت جلسة الخامس من يونيو 2026 النطق بالحكم في هذا الملف الذي ظل معروضا أمام القضاء لسنوات، حيث قررت المحكمة التصريح بسقوط الدعوى العمومية في حق المتهم عمر الجزولي بسبب وفاته، كما قضت بعدم مؤاخذة المتهم محمد زاهدي من أجل ما نسب إليه والحكم ببراءته، في حين أدانت باقي المتابعين بعقوبات متفاوتة تراوحت بين الحبس النافذ والموقوف التنفيذ والغرامات المالية.
وقضت المحكمة بمعاقبة كل من محمد زغلول ومحمد مزري ومحمد الكرناوي وعبد الصادق فاكهاني ومحمد المودن بسنتين حبسا، واحدة منها نافذة والثانية موقوفة التنفيذ، إضافة إلى غرامة مالية نافذة قدرها خمسون ألف درهم لكل واحد منهم، بينما تمت معاقبة باقي المتهمين بسنة واحدة حبسا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها عشرون ألف درهم، مع تحميلهم الصائر والإجبار في الأدنى في حق من يجب، كما تم إشعار المدانين بأجل الطعن بالاستئناف وفقا لما ينص عليه القانون.
ويعتبر ملف سوق الجملة للخضر والفواكه بمراكش من القضايا التي استأثرت بمتابعة واسعة بالنظر إلى ارتباطه بتدبير مرفق اقتصادي حيوي يرتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للساكنة وبحركية التجارة والتموين داخل المدينة الحمراء. فأسواق الجملة تشكل نقطة أساسية في دورة توزيع الخضر والفواكه، كما ترتبط بمداخيل مالية مهمة للجماعات الترابية، وهو ما يجعل أي اختلالات أو شبهات تدبير تثار بشأنها محط اهتمام الرأي العام والهيئات الرقابية والقضائية.
وكانت الأبحاث والتحقيقات التي باشرتها الجهات المختصة قد ركزت على عدد من العمليات والمعاملات المرتبطة بتدبير السوق، وسط شبهات تتعلق بوجود تجاوزات مالية وإدارية وتلاعبات في وثائق ومعطيات رسمية، قبل أن تتم إحالة الملف على القضاء المختص بجرائم الأموال للبث فيه طبقا للمساطر القانونية الجاري بها العمل. وخلال مراحل المحاكمة، شهد الملف جلسات متعددة تم خلالها الاستماع إلى المتابعين ودفاعهم، إضافة إلى مناقشة التقارير والمعطيات المدرجة ضمن وثائق القضية.
ويرى متابعون أن الأحكام الصادرة في هذا الملف تعكس استمرار توجه القضاء نحو تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في القضايا المرتبطة بتدبير المال العام، والتي تحظى بحساسية كبيرة لدى الرأي العام المغربي. كما أن متابعات من هذا النوع تؤكد، بحسب عدد من المهتمين بالشأن العام، أهمية تعزيز آليات الحكامة والرقابة داخل المرافق الجماعية والمؤسسات العمومية، تفاديا لأي اختلالات قد تمس المال العام أو تؤثر على ثقة المواطنين في المؤسسات.
وفي المقابل، يؤكد متابعون للشأن القضائي أن الأحكام الابتدائية تبقى قابلة للطعن بالاستئناف، وأن المسار القضائي لم ينته بعد بشكل نهائي، خاصة مع إمكانية لجوء بعض المدانين إلى استعمال مختلف الضمانات القانونية التي يتيحها القانون المغربي. كما يشدد هؤلاء على ضرورة احترام قرينة البراءة والتعامل مع الأحكام القضائية في إطارها القانوني والمؤسساتي بعيدا عن أي تأويلات متسرعة، خصوصا أن القضاء يبقى الجهة الوحيدة المخول لها الفصل في مثل هذه الملفات.
وأعاد هذا الملف إلى الواجهة النقاش حول وضعية عدد من المرافق الجماعية وأساليب تدبيرها، خاصة تلك التي تعرف معاملات مالية يومية مهمة، مثل أسواق الجملة والمجازر ومحطات النقل وغيرها من المرافق التي تشكل موردا أساسيا لميزانيات الجماعات الترابية. ويطالب فاعلون مدنيون بضرورة تحديث آليات التدبير والرقمنة وتعزيز الشفافية والمراقبة الداخلية، مع تفعيل أدوار أجهزة الافتحاص والتتبع من أجل الحد من أي ممارسات قد تفتح الباب أمام سوء التدبير أو استغلال النفوذ.
كما يرى مهتمون بالشأن المحلي أن مدينة مراكش، باعتبارها واحدة من أكبر المدن المغربية وواجهة سياحية واقتصادية بارزة، تحتاج إلى نموذج متطور في تدبير مرافقها العمومية يواكب مكانتها الوطنية والدولية، ويضمن حسن استغلال الموارد المالية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمهنيين والمواطنين على حد سواء. فملف سوق الجملة للخضر والفواكه لا يتعلق فقط بأشخاص متابعين أمام القضاء، بل يسلط الضوء أيضا على تحديات الحكامة المحلية وضرورة تطوير منظومة التدبير الجماعي بما ينسجم مع مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويؤكد عدد من المتابعين أن الرأي العام المحلي أصبح أكثر اهتماما بملفات تدبير الشأن العام، خاصة تلك المرتبطة بالمال العام، في ظل تنامي الوعي المجتمعي بأهمية الرقابة والمساءلة. كما أن وسائل الإعلام المحلية والجهوية لعبت خلال السنوات الأخيرة دورا مهما في تتبع عدد من القضايا والملفات ذات الصلة بالتدبير الجماعي، ما ساهم في توسيع النقاش العمومي حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المرحلة الاستئنافية من تطورات جديدة، يبقى ملف سوق الجملة للخضر والفواكه بمراكش واحدا من أبرز الملفات التي أعادت طرح أسئلة متعددة حول تدبير المرافق الجماعية وآليات المراقبة والشفافية داخل المؤسسات المحلية. كما يعكس هذا الملف حجم التحديات التي تواجه الجماعات الترابية في مجال تحديث الإدارة وتحسين الحكامة وضمان حماية المال العام.
ويرى متابعون أن مكافحة الفساد وسوء التدبير لا تقتصر فقط على المتابعات القضائية، بل تحتاج أيضا إلى إصلاحات هيكلية تشمل تحديث الإدارة وتعزيز الرقمنة وتبسيط المساطر وتقوية آليات الافتحاص والمراقبة، إضافة إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية داخل مختلف المؤسسات. كما أن تعزيز الشفافية في تدبير المرافق العمومية يظل من بين الرهانات الأساسية لتحقيق التنمية المحلية واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة والإدارية.
ويأمل عدد من الفاعلين المحليين أن تشكل هذه القضية مناسبة لإعادة تقييم طرق تدبير بعض المرافق الحيوية بمدينة مراكش، والعمل على تجاوز الاختلالات التي قد تعيق النجاعة والشفافية، بما يضمن حماية المال العام وتحسين الخدمات وتعزيز الحكامة الجيدة، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها الجماعات الترابية والدعوات المتزايدة إلى تحديث الإدارة المحلية وتخليق الحياة العامة.