الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
أثار القرار الجديد الصادر عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع التواصل، والمتعلق بشروط الاستفادة من الدعم العمومي المخصص لقطاعات الصحافة والنشر والطباعة والتوزيع برسم سنة 2026، موجة واسعة من الاستياء داخل الأوساط المهنية والإعلامية، خصوصا في صفوف المقاولات الصحفية الصغرى والجهوية التي اعتبرت أن الشروط الجديدة لا تستجيب لواقع القطاع ولا تراعي هشاشة البنية الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية المحلية، بل تشكل تهديدا مباشرا لاستمرارها ولمبدأ التعددية الإعلامية الذي يكفله القانون والدستور. ويأتي هذا الجدل بعد فرض شرط التوفر على خمس بطاقات صحافة مهنية إضافة إلى مدير النشر بالنسبة للمقاولات الصحفية الإلكترونية الصغيرة والجهوية، وهو ما اعتبرته الفيدرالية المغربية لناشري الصحف توجها إقصائيا يخدم لوبيات بعينها على حساب المؤسسات الصغرى التي راكمت تجربة مهنية وميدانية مهمة رغم ضعف الإمكانيات.
وترى الفيدرالية أن هذا القرار لم يكن نتيجة حوار مهني موسع أو تشاور جدي مع مختلف الفاعلين في القطاع، بل جاء بشكل انفرادي يعكس استمرار المقاربة الأحادية في تدبير ملف الصحافة والنشر. فبدل اعتماد منطق الإصلاح التشاركي الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الإعلام الجهوي ودوره الحيوي في نقل قضايا المواطنين والتعبير عن انتظاراتهم، اختارت الوزارة، حسب المهنيين، وضع شروط تقنية وإدارية يصعب على عدد كبير من المقاولات تحقيقها في الظرفية الحالية، خاصة في ظل تعثر تجديد بطاقات الصحافة المهنية بسبب الأزمة التي يعيشها المجلس الوطني للصحافة والجدل الذي رافق اللجنة المؤقتة المكلفة بتدبير القطاع.
ويعتبر متابعون أن خطورة القرار لا تكمن فقط في الشروط الجديدة، بل في الخلفية التي تحكم هذا التوجه، حيث يتم الانتقال تدريجيا من فلسفة الدعم العمومي باعتباره آلية لحماية التعددية وتشجيع حرية التعبير وتنمية القراءة، إلى منطق تجاري قائم على رقم المعاملات وحجم الرأسمال وعدد المستخدمين، وهي معايير قد تبدو منطقية في قطاعات اقتصادية أخرى، لكنها لا تصلح لتقييم المؤسسات الإعلامية التي تؤدي أدوارا مجتمعية وثقافية تتجاوز الحسابات الربحية الضيقة. فالصحافة الجهوية، رغم محدودية مواردها، ظلت لسنوات تؤدي دورا أساسيا في نقل قضايا المواطنين بالمناطق البعيدة عن المركز، وتغطية أنشطة الجماعات الترابية والجمعيات المحلية ومختلف القضايا الاجتماعية التي لا تجد مكانا في الإعلام المركزي.
ويرى مهنيون أن اعتماد شرط خمس بطاقات مهنية إضافية سيقصي عمليا عشرات المقاولات التي بالكاد استطاعت في السنوات الأخيرة تحقيق الحد الأدنى من الشروط السابقة للاستفادة من الدعم الجزافي البسيط، خصوصا أن عددا من الجهات المغربية تعاني أصلا من ضعف سوق الإشهار ومن غياب محيط اقتصادي قادر على دعم المؤسسات الإعلامية المحلية. كما أن ندرة الموارد البشرية المؤهلة في بعض المناطق تجعل من الصعب على المقاولات الجهوية استقطاب صحافيين مهنيين إضافيين في ظرف وجيز، وهو ما قد يدفع العديد منها إلى التوقف النهائي عن العمل أو تقليص أنشطتها بشكل كبير.
وفي خضم هذا الجدل، تعود إلى الواجهة الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن طريقة تدبيرها لقطاع الصحافة والإعلام خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الجدل المرتبط بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، حيث اعتبرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن الحكومة تجاهلت روح قرار المحكمة الدستورية الذي شدد على ضرورة منع أي آلية تؤدي إلى احتكار تمثيلية ناشري الصحف داخل مؤسسة التنظيم الذاتي من طرف منظمة واحدة. وترى الفيدرالية أن الإصرار على اعتماد معيار رقم المعاملات في تصنيف الناشرين وفي شروط الدعم العمومي يمثل التفافا على جوهر القرار الدستوري، ويهدف إلى تكريس الهيمنة والتحكم في القطاع بدل توسيع قاعدة المشاركة والتعددية.
ويؤكد عدد من الفاعلين الإعلاميين أن الأزمة الحالية تعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة للنهوض بالإعلام الوطني، حيث يتم التركيز على الشروط الإدارية والمعايير المحاسباتية بدل الانشغال بمشاكل أكثر عمقا مثل ضعف المقروئية، وتراجع سوق الإشهار، وهجرة الكفاءات، وغياب التكوين المستمر، والتحولات الرقمية المتسارعة التي تفرض على المقاولات الإعلامية استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والتجهيزات والموارد البشرية. كما أن الدعم العمومي، في نظرهم، ينبغي أن يكون أداة لتقوية المؤسسات الهشة ومساعدتها على التطور، وليس وسيلة لإقصائها أو دفعها نحو الإفلاس.
ويحذر متابعون من أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى إفراغ عدد من الجهات من أي صحافة جهوية مستقلة، مما سيؤثر سلبا على الحق في الوصول إلى المعلومة وعلى التعددية الإعلامية والتوازن المجالي في التغطية الصحفية. فالإعلام الجهوي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو جزء من الدينامية الديمقراطية والتنموية داخل المجتمع، إذ يساهم في تتبع الشأن المحلي ومراقبة تدبير المؤسسات المنتخبة ونقل هموم المواطنين، كما يشكل فضاء للتعبير عن التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز مختلف مناطق المغرب.
وفي المقابل، كان بإمكان الوزارة، بحسب مهنيين، اعتماد مقاربة أكثر تدرجا وواقعية، من خلال فتح حوار شامل مع التنظيمات المهنية والاستماع إلى مختلف المقترحات قبل اتخاذ قرارات مصيرية من هذا الحجم. كما كان من الممكن إيجاد صيغ مرنة تراعي الفوارق بين المقاولات الكبرى والصغرى، وبين الصحافة الوطنية والجهوية، بدل فرض شروط موحدة لا تنسجم مع اختلاف الإمكانيات والسياقات الاقتصادية. فالإصلاح الحقيقي للقطاع لا يمكن أن يتم عبر القرارات الفوقية أو منطق الإقصاء، بل من خلال بناء الثقة بين الدولة والفاعلين المهنيين واعتماد مقاربة تشاركية تضمن التوازن بين الجودة المهنية والاستمرارية الاقتصادية والتعددية الإعلامية.
وتؤكد الأصوات الرافضة للقرار أن الدفاع عن الصحافة الجهوية اليوم ليس دفاعا عن امتيازات أو مصالح ضيقة، بل عن حق المجتمع في إعلام متنوع ومستقل وقريب من المواطنين. فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بالدعم العمومي، وإنما بمستقبل المشهد الإعلامي الوطني ككل، وبمدى قدرة المغرب على الحفاظ على تعددية إعلامية حقيقية تواكب التحولات الديمقراطية والتنموية التي تعرفها البلاد. ولذلك فإن العديد من المهنيين يدعون إلى مراجعة هذه الشروط الجديدة، وفتح نقاش وطني جاد ومسؤول حول مستقبل الصحافة المغربية، بعيدا عن منطق التحكم والهيمنة، وبما يضمن حماية المؤسسات الإعلامية الصغرى والجهوية من الإقصاء والاندثار.
التعليقات مغلقة.