الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
إذا صح التعبير، فإن الصحافيين النزهاء في المغرب لم يعودوا يخوضون فقط معارك تنظيمية أو مهنية ذاتية، بل أصبحوا، في نظر كثيرين، أمام معركة أكبر وأصعب: معركة الحفاظ على مهنة الصحافة نفسها، وعلى استقلاليتها ودورها في المجتمع.
لقد جاء مشروع التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة والنشر باعتباره خطوة مهمة نحو ترسيخ استقلالية المهنة، بعيدا عن الوصاية والتدخلات المباشرة. وقد أُحدث المجلس الوطني للصحافة بموجب القانون رقم 90.13، الذي منحه اختصاصات أساسية في مجال التنظيم الذاتي للقطاع، وحماية أخلاقيات المهنة، والنظر في الشكايات، والمساهمة في تطوير قطاع الصحافة والنشر.
وفي سنة 2018 جرى انتخاب أول مجلس وطني للصحافة، في محطة اعتبرت آنذاك خطوة أساسية في مسار التنظيم الذاتي للمهنة. غير أن هذا المسار لم يستمر بالشكل الذي كان ينتظره جزء كبير من الجسم الصحافي، خصوصا بعد انتهاء ولاية المجلس المنتخب وظهور مرحلة جديدة تم خلالها إحداث لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر بموجب القانون رقم 15.23.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: أين نحن اليوم من مبدأ التنظيم الذاتي للصحافة؟
وهل استطاع هذا النموذج أن يحافظ على استقلالية المهنة، أم أن الصحافة المغربية دخلت مرحلة جديدة أصبح فيها مستقبل القطاع مرتبطا أكثر بالقرارات والتدابير الحكومية؟
إن القضية لا تتعلق فقط بمؤسسة أو بأشخاص أو بانتخابات مهنية، وإنما تتعلق بمبدأ أكبر: استقلالية الصحافة وحق المجتمع في إعلام حر ومتعدد ومسؤول.
فالصحافة ليست مجرد مقالات تنشر، ولا مجرد مواقع إلكترونية أو جرائد ورقية؛ الصحافة سلطة رقابية ومجتمعية، ودورها أن تطرح الأسئلة الصعبة، وأن تنقل انشغالات المواطنين، وأن تكشف مكامن الخلل، وأن تمنح للرأي العام إمكانية معرفة ما يجري.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجَّه فقط إلى الصحافيين، بل إلى الجميع:
أين المؤسسات الحكومية؟
أين المؤسسات المنتخبة؟
أين الهيئات الحقوقية؟
أين جمعيات المجتمع المدني؟
وأين النخب التي يفترض أن تدافع عن حرية الصحافة واستقلاليتها؟
لا يمكن أن نطلب من الصحافي أن يؤدي دوره في مراقبة المسؤولين والمؤسسات، ثم نتركه وحيدا عندما يواجه الأزمات المهنية والاقتصادية والتنظيمية.
كما أن الدفاع عن الصحافة لا يعني الدفاع عن الأخطاء أو التجاوزات. فالصحافة الحرة تحتاج، في الوقت نفسه، إلى الاستقلالية والمسؤولية واحترام أخلاقيات المهنة والقانون. وهذا بالضبط ما تؤكده فلسفة التنظيم الذاتي التي ربطت بين حرية الصحافة وأخلاقياتها ومسؤولية المهنيين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة هو أن يتحول الصحافي النزيه إلى طرف يخوض معركة من أجل البقاء، بدل أن يتفرغ لمهمته الأساسية: البحث عن الحقيقة وخدمة المواطن.
لذلك، فإن المرحلة تحتاج إلى نقاش وطني صريح حول مستقبل الصحافة المغربية، وحول استقلالية التنظيم الذاتي، وحول الضمانات التي يحتاجها الصحافي والمؤسسة الإعلامية حتى تستمر المهنة في أداء رسالتها.
السؤال اليوم ليس فقط: من يدير الصحافة؟
بل السؤال الأهم:
هل نريد صحافة مستقلة وقوية ومسؤولة، أم صحافة تظل منشغلة كل يوم بمعركة البقاء؟
ذلك هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه الجميع، حكومة ومؤسساتٍ وأحزابا ومجتمعا مدنيا وجسما صحافيا وحقوقيا.