الانتفاضة/ بقلم: سيداتي بيدا
لم تعد أزمة اللحوم الحمراء في المغرب مجرد ارتفاع ظرفي في الأسعار، ولا تفصيلاً اقتصادياً يمكن دفنه تحت لغة التبرير. نحن أمام أزمة تمس صميم القدرة الشرائية للمغاربة، وتضع فعالية السياسات العمومية أمام اختبار حقيقي لا يحتمل المراوغة. حين يقترب سعر كيلوغرام من لحم الأغنام من 150 درهماً، ويتجاوز ذلك في بعض الأسواق، فإن الأمر يتجاوز حدود السوق إلى سؤال اجتماعي مباشر إلى متى سيظل المواطن مطالباً بتحمل فاتورة اختلالات لا يملك أدوات التحكم فيها؟ لقد جرى التعويل على الاستيراد كإحدى آليات تهدئة السوق وتوفير العرض، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو هل وصل أثر هذه الإجراءات فعلاً إلى المستهلك؟ فإذا كان الهدف هو كسر موجة الغلاء، فإن المعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون حجم ما دخل عبر المعابر، وإنما السعر الذي يواجهه المواطن عند نقطة البيع. وهنا تبدأ المسؤولية الفعلية. لا يكفي أن تفتح أبواب الاستيراد ثم تترك السوق لقوانينها من دون مراقبة دقيقة لمسالك التوزيع. ولا يجوز أن تتحول حلقات الوساطة والنقل والتجارة إلى منطقة معتمة لا يعرف المواطن فيها كيف يتشكل السعر، ومن يتحمل مسؤولية الفوارق المتراكمة بين مراحل وصول المنتج إلى المستهلك. الرقابة ليست ترفاً، وحماية القدرة الشرائية ليست شعاراً موسمياً. المطلوب اليوم افتحاص جدي لمسار اللحوم من المستورد أو المنتج إلى السوق، وتشديد المراقبة على هوامش الربح ومسالك التوزيع، والتصدي بكل حزم لكل ممارسة غير قانونية تثبتها أجهزة الرقابة، من الاحتكار إلى المضاربة والتلاعب بالأسعار. وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء سياسة مستدامة على الاستيراد وحده. فالثروة الحيوانية الوطنية تحتاج إلى حماية حقيقية، والمربون الصغار يحتاجون إلى إجراءات تمكنهم من الاستمرار بدل دفعهم إلى التخلي عن نشاطهم تحت ضغط الأعلاف والتكاليف وتقلبات السوق. إن استمرار الأسعار المرتفعة بهذا الشكل يهدد بتحويل اللحوم الحمراء من مكون طبيعي في المائدة المغربية إلى منتج موسمي لا تستطيع شرائح واسعة الاقتراب منه. وهذه ليست مسألة رفاهية. إنها قضية عدالة اجتماعية وأمن غذائي وثقة في المؤسسات. لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من التبريرات، بل إلى أرقام واضحة، مراقبة صارمة، شفافية في الاستيراد والتوزيع، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في مخالفة القانون. فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط كم استورد المغرب من اللحوم، بل يريد أن يعرف السؤال الأكثر بساطة والأكثر إلحاحاً لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار عندما تتخذ الإجراءات أصلاً من أجل خفضها؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي واي إجابة اقل من الوضوح والمساءلة ستبقى أزمة اللحوم مفتوحة على مزيد من الاحتقان .