الإنتفاضة // محمد السعيد مازغ
ألا تلاحظون معي أننا نعيش اليوم مفارقة غريبة؛ ففي جهة تعلو أصوات المعازف والمزامير، وتُقرع الطبول، وتُنسج قصائد المديح، وتتحول بعض الصفحات الإخبارية إلى أبواق ترويجية لا همّ لها سوى التهليل والتصفيق. وفي الجهة المقابلة تُشحذ الألسن، وتُوزَّع الاتهامات جزافاً، وتُفتح معارك جانبية لا تنتهي، حتى صار الجميع يأكل من كتف الجميع.
إنها إرهاصات التحضير المبكر للاستحقاقات التشريعية المقبلة، واستعدادات محمومة لخوض غمار انتخابات 23 شتنبر 2026. ضجيج سياسي يملأ الفضاء العام، لكنه في كثير من الأحيان لا يتجاوز حدود جعجعة رحى بلا طحين؛ يستهلك وقت الناس واهتمامهم، ويصرفهم عن قضاياهم الحقيقية وهمومهم اليومية.
المشهد يشبه إلى حد بعيد “التبوريدة”؛ فارس يمتطي جواده وينطلق بأقصى سرعة، يثير خلفه سحباً كثيفة من الغبار تحجب الرؤية، فيما تتعالى فرقعات البارود في السماء فتشد الأنظار وتثير الحماس. لكن ما إن ينقشع الغبار ويخفت الصدى، حتى يعود السؤال القديم إلى الواجهة: ماذا تحقق فعلاً على الأرض؟ما هي المشاريع التنموية الملموسة (طرق، مستشفيات، مدارس) التي دافع عن تمويلها؟ ما الذي تغير فعلياً في المعيش اليومي للمواطن بالمنطقة منذ توليه المنصب؟ وما الذي جناه المواطن غير الفرجة على استعراض جديد؟
فبين ضجيج الشعارات وبريق الوعود، يظل المواطن البسيط يبحث عن أجوبة لأسئلة أكثر إلحاحاً: الشغل، والصحة، والتعليم، والكرامة، والتنمية. أما ما عدا ذلك، فليس في كثير من الأحيان سوى غبار انتخابي موسمي سرعان ما تذروه أولى رياح الواقع. هناك من ذاق حلاوة الكرسي فاستعصى عليه الفطام، فظل يطارد المناصب وكأنها حق مكتسب لا تكليف مؤقت. يتغير الزمان والوجوه من حوله، لكنه يبقى أسيراً لشهوة البقاء، رغم أن ما خلفه من حصاد لا يعدو أن يكون مزيداً من الأعذار والتخلف وإهدار الفرص.