الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
تعيش الديبلوماسية المغربية اليوم واحدة من أكثر مراحلها دينامية وتحولاً منذ عقود، في ظل سياق إقليمي ودولي متغير يفرض على الدول إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وتحيين أدواتها في الدفاع عن مصالحها الحيوية. وفي هذا الإطار، أصبح النقاش حول السياسة الخارجية للمملكة يحظى باهتمام متزايد داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية والإعلامية، خاصة مع التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، والتي باتت تشكل المحدد الرئيسي لعلاقات المغرب الدولية وشراكاته السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، شكل اللقاء الفكري الذي احتضنه المعهد المغربي لتحليل السياسات مناسبة مهمة لتبادل الرؤى والأفكار حول مستقبل الديبلوماسية المغربية، بمشاركة نخبة من الوزراء والدبلوماسيين السابقين والأكاديميين والباحثين والصحفيين والإعلاميين، حيث انصب النقاش على التحولات الكبرى التي شهدتها السياسة الخارجية للمغرب، ومحددات الفعل الديبلوماسي في ظل المتغيرات الدولية، إضافة إلى رهانات الفعالية والأثر في السياسة الخارجية المغربية.
وقد كان ملف الصحراء حاضرا بقوة خلال مختلف المداخلات، باعتباره القضية الوطنية الأولى، والمحور الذي أعاد صياغة أولويات الديبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين. فالمغرب لم يعد يتعامل مع هذا الملف بمنطق التدبير التقليدي أو ردود الفعل الظرفية، بل انتقل إلى استراتيجية هجومية قائمة على المبادرة والاستباق، وهو ما مكنه من تحقيق اختراقات مهمة على المستوى الدولي، سواء من خلال تنامي الاعترافات بمغربية الصحراء، أو عبر الدعم المتزايد لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الأقاليم الجنوبية.
وفي قراءة للتحولات التي عرفتها الديبلوماسية المغربية بين عهد الملك الراحل الحسن الثاني وعهد الملك محمد السادس، يبرز اختلاف واضح في الأسلوب والرؤية وآليات الاشتغال، رغم وحدة الهدف المرتبط بالدفاع عن المصالح العليا للمملكة. فقد ارتبط عهد الحسن الثاني بما يمكن تسميته “ديبلوماسية المؤتمرات”، حيث كان المغرب حاضرا بقوة في المحافل الدولية والقمم الإقليمية والدولية، سواء من خلال التنظيم أو الحضور السياسي المؤثر. وتمكن المغرب آنذاك من بناء صورة دولة تحظى بالاحترام داخل المنتظم الدولي، مستفيدا من الحنكة السياسية والديبلوماسية التي طبعت شخصية الملك الراحل، إضافة إلى موقع المغرب الجيوسياسي وعلاقاته المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
غير أن تلك المرحلة، رغم إشعاعها السياسي والرمزي، ظلت محدودة الأثر فيما يتعلق بحسم قضية الصحراء، خصوصاً في ظل التوازنات الدولية والإقليمية التي كانت تحكم فترة الحرب الباردة، إضافة إلى طبيعة المؤسسات القارية آنذاك، وفي مقدمتها منظمة الوحدة الإفريقية التي كانت تشهد اختراقات قوية من خصوم الوحدة الترابية للمغرب.
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش، بدأت ملامح تحول عميق في أسلوب إدارة السياسة الخارجية المغربية، حيث انتقلت المملكة من منطق الحضور البروتوكولي والمؤتمراتي إلى ما يمكن وصفه بـ”ديبلوماسية القرب والميدان”. فالعاهل المغربي اعتمد منذ بداية حكمه على التحرك المباشر نحو الدول الإفريقية، من خلال زيارات ميدانية متكررة، وتوقيع شراكات اقتصادية واستثمارية واسعة، جعلت من المغرب فاعلا أساسيا داخل القارة الإفريقية.
وقد شكلت العودة القوية للمغرب إلى إفريقيا أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية للمملكة، خاصة بعد سنوات من الغياب عن الاتحاد الإفريقي. فالمغرب لم يعد يكتفي بالدفاع السياسي عن قضية الصحراء داخل المؤسسات الدولية، بل انتقل إلى بناء نفوذ اقتصادي وتنموي داخل القارة، عبر الاستثمار في قطاعات الأبناك والاتصالات والفلاحة والطاقة والبنيات التحتية، وهو ما عزز حضوره وتأثيره داخل عدد من الدول الإفريقية.
كما اعتمدت الديبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس على ما يعرف بسياسة “الأبطال الوطنيين”، من خلال تشجيع المقاولات المغربية الكبرى على الاستثمار والتوسع داخل الأسواق الإفريقية، بما يخدم المصالح الاقتصادية للمغرب ويعزز حضوره الجيوسياسي في الوقت نفسه. وقد أظهرت هذه المقاربة فعاليتها مع مرور السنوات، حيث تمكن المغرب من بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والإنسانية والدينية داخل القارة، جعلت العديد من الدول الإفريقية تعيد النظر في مواقفها التقليدية من قضية الصحراء المغربية.
وتبرز الأرقام حجم هذا التحول، إذ قام الملك محمد السادس بعشرات الزيارات إلى عدد كبير من الدول الإفريقية، تم خلالها توقيع مئات الاتفاقيات في مجالات متعددة، ما ساهم في ترسيخ صورة المغرب كشريك موثوق وفاعل تنموي داخل القارة. كما أن العودة إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن مجرد خطوة رمزية، بل شكلت تحولا استراتيجيا مكن المملكة من استعادة موقعها الطبيعي داخل المؤسسة القارية، والدفاع عن مصالحها من الداخل بدل سياسة الكرسي الفارغ.
وفي موازاة ذلك، عملت الديبلوماسية المغربية على تنويع شراكاتها الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد، حيث نجحت المملكة في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الغربية، وفي الوقت نفسه تطوير علاقاتها مع قوى دولية صاعدة مثل الصين والهند وروسيا وتركيا ودول الخليج. غير أن المحدد الأساسي لهذه العلاقات أصبح مرتبطاً بشكل واضح بموقف الدول من قضية الصحراء المغربية، وهو ما جعل الرباط تعتمد مقاربة أكثر وضوحا وحزما في تدبير علاقاتها الخارجية.
وقد أثمرت هذه الاستراتيجية تحقيق مكاسب ديبلوماسية مهمة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها تزايد عدد الدول التي افتتحت قنصليات لها بالأقاليم الجنوبية، إضافة إلى الدعم الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما أن القرارات الأممية الأخيرة عكست بدورها تحولا ملحوظا في طريقة تعاطي المنتظم الدولي مع هذا النزاع، من خلال التركيز على الحل الواقعي والعملي، بعيدا عن الطروحات المتجاوزة التي ظلت تراوح مكانها لعقود.
ويرى متابعون أن نجاح الديبلوماسية المغربية لا يرتبط فقط بحسن إدارة العلاقات الخارجية، بل أيضا بقدرة المغرب على بناء نموذج تنموي واستقرار سياسي جعله يحظى بثقة شركائه الدوليين. فالمغرب اليوم يقدم نفسه كفاعل إقليمي مسؤول، قادر على لعب أدوار مهمة في قضايا الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتنمية الإفريقية، وهو ما عزز مكانته داخل محيطه الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها العالم، وتصاعد المنافسة الدولية داخل القارة الإفريقية، إضافة إلى استمرار خصوم الوحدة الترابية في التحرك داخل بعض المنظمات والمحافل الدولية. وهو ما يفرض على الديبلوماسية المغربية مواصلة العمل بمنطق المبادرة والاستباق، مع تطوير أدواتها وآليات اشتغالها بما ينسجم مع التحولات الجديدة.
لقد أثبتت التجربة خلال العقدين الأخيرين أن المغرب نجح في الانتقال من ديبلوماسية رد الفعل إلى ديبلوماسية الفعل والتأثير، مستفيدا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من قضية الصحراء محورا مركزيا للسياسة الخارجية للمملكة. واليوم، ومع تزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء وتنامي الدعم لمقترح الحكم الذاتي، تبدو الديبلوماسية المغربية أمام منعطف حاسم يفتح آفاقا جديدة لترسيخ المكاسب وتعزيز الحضور المغربي على الساحة الدولية.