من التوتر إلى التنسيق: كيف نجحت الدبلوماسية المغربية في رأب الصدع الخليجي

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في لحظة إقليمية دقيقة، تميزت بتشابك الأزمات وحساسية التوازنات، برز تدخل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله كعامل حاسم في إطفاء أزمة كادت أن تشعل فتيل توتر غير مسبوق بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في سياق خلافات خلفية مرتبطة ببعض الملفات اليمنية التي تباينت حولها الرؤى داخل الفضاء الخليجي.

هذه الأزمة، التي ظلت في بدايتها بعيدة عن الأضواء، أثارت مخاوف حقيقية من احتمال تصدع الصف الخليجي، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية وسياسية متزايدة، تستدعي أعلى درجات التنسيق والوحدة. فاليمن، بما يحمله من تعقيدات داخلية وتدخلات إقليمية، ظل أحد أكثر الملفات حساسية، حيث اختلفت المقاربات السياسية والاستراتيجية لبعض الدول المنخرطة في هذا الملف، ما خلق حالة من التوتر الصامت بين الرياض وأبوظبي.

أمام هذا الوضع، تحرك جلالة الملك محمد السادس بحكمة وبعد نظر، مستندا إلى علاقاته المتينة والثابتة مع قيادتي البلدين، وإلى رصيد المغرب التاريخي في الوساطة الهادئة والبناءة. ولم يكن هذا التدخل مجرد مسعى دبلوماسي عابر، بل جسد رؤية متكاملة تقوم على تغليب منطق الحوار، وتقديم المصالح الاستراتيجية المشتركة على الخلافات الظرفية.

وبفضل هذا المسعى الملكي، أمكن احتواء الخلاف في مراحله الأولى، وتحويله من أزمة مرشحة للتفاقم إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وقد ساهم هذا التدخل في إعادة فتح قنوات التواصل المباشر، وتوفير مناخ من الثقة مكّن القيادتين من تقريب وجهات النظر، خاصة في ما يتعلق بالملف اليمني وتداعياته الإقليمية.

ولقي هذا الدور الذي اضطلع به جلالة الملك محمد السادس ترحيبا واسعا على المستويين الإقليمي والدولي، حيث اعتبر نموذجا متقدما للدبلوماسية الوقائية، التي لا تنتظر انفجار الأزمات، بل تعمل على استباقها وتحييد آثارها. كما أعاد هذا التدخل التأكيد على مكانة المغرب كفاعل موثوق، يتمتع بالمصداقية والقدرة على بناء الجسور بين الأشقاء.

وتعكس هذه المبادرة مرة أخرى الدور المحوري الذي يضطلع به المغرب، بقيادة جلالة الملك، في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وترسيخ ثقافة الحوار، والدفاع عن وحدة الصف العربي، في زمن تتكاثر فيه عوامل التوتر والانقسام. وهو دور يؤكد أن الحكمة والدبلوماسية الهادئة تظل من أنجع السبل لصون السلم وتعزيز التعاون بين الدول الشقيقة.

التعليقات مغلقة.