أسمهان الوافي.. عالِمة مغربية تقود التحول العالمي في الأمن الغذائي وتتصدر قائمة التأثير الإفريقية

حين تغيّر إمرأة مغربية موازين الأمن الغذائي في العالم!

الانتفاضة // إلهام أوكادير

أشاد بها “بيلغيتس” و تم تصنيفها في “تايم 100” . . . .

لم يكن اختيار مجلة “نيو أفريكان” للعالِمة المغربية أسمهان الوافي ضمن قائمة أكثر 100 شخصية إفريقية تأثيرًا لسنة 2025 حدثًا معزولًا أو تكريمًا عابرًا، بل تتويجًا لمسار علمي وإنساني طويل، قاد امرأة مغربية من مدينة اليوسفية إلى صدارة المؤسسات الدولية التي ترسم اليوم ملامح مستقبل الغذاء في العالم.

ففي زمن تتقاطع فيه أزمات المناخ، وندرة الموارد، واضطراب سلاسل الإمداد، تبرز “أسمهان الوافي” كإسم وازن في النقاش العالمي حول الأمن الغذائي، لا بوصفها خبيرة تقنية فحسب، بل كقائدة فكرية تؤمن بأن الحلول الكبرى تبدأ من العلم، وتُترجم على أرض الواقع بالإنصاف والاستدامة.جذور مغربية ومسار يصعد بهدوء

وُلدت أسمهان الوافي سنة 1971 بمدينة اليوسفية، في بيئة مغربية عادية، بعيدة عن الأضواء، لكنها غنية بقيم الاجتهاد والانضباط. ومنذ سنواتها الدراسية الأولى، بدا شغفها بالعلوم واضحًا، قبل أن تتجه إلى مجال الزراعة، ليس باعتباره تخصصًا تقنيًا، بل كمدخل لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان، الأرض، والمستقبل.

وقد التحقت بمعهد الحسن الثاني للزراعة والطب البيطري، أحد أعرق المؤسسات العلمية بالمغرب، حيث راكمت تكوينًا أكاديميًا متينًا، توّجته بالحصول على الإجازة، ثم الماجستير في علم الوراثة وتربية النباتات، غير أن طموحها لم يتوقف عند حدود الوطن، فاختارت تعميق تجربتها العلمية بالحصول على الدكتوراه في علم الوراثة من جامعة قرطبة الإسبانية، في مسار جمع بين البحث النظري والتطبيق الميداني.

العلم بوصفه رسالة عالمية

منذ بداياتها المهنية، آمنت “أسمهان الوافي” بأن البحث العلمي لا قيمة له إن لم يكن مرتبطًا بحياة الناس، هذا الوعي المثين، قادها إلى العمل داخل مؤسسات بحثية دولية، خاصة في كندا، حيث اشتغلت في وزارة الزراعة الكندية، والوكالة الكندية لمراقبة الأغذية، مكتسبة بذلك خبرة دقيقة في ربط البحث العلمي بالسياسات العمومية، لتتسع لاحقا دائرة تأثيرها مع انخراطها في مراكز بحث دولية تُعنى بالزراعة في المناطق الجافة، حيث برز اسمها كإحدى الأصوات العلمية المدافعة عن حلول غير تقليدية لمشاكل تقليدية، مثل ندرة المياه، تدهور التربة، وتغير المناخ.الزراعة في البيئات القاسية… تحدٍ تحوّل إلى فرصة

لقد شكل توليها إدارة المركز الدولي للزراعة الملحية بدبي محطة فارقة في مسارها، إذ قادت مشاريع علمية غير مسبوقة، هدفت إلى استغلال المياه المالحة وغير التقليدية في الزراعة، وإلى تحسين إنتاج المحاصيل في بيئات تُصنف عادة على أنها غير صالحة للزراعة.

كما لم يكن هذا التوجه مجرد خيار تقني، بل رؤية إستراتيجية، تقوم على إعادة تعريف مفهوم الخصوبة الزراعية، وإثبات أن الابتكار قادر على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، خاصة في مناطق إفريقيا والشرق الأوسط.

من البحث إلى القرار الأممي

في سنة 2020، دخلت “أسمهان الوافي” مرحلة جديدة من مسارها الدولي، بعدما تم تعيينها كأول كبيرة علماء في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، منصب لم يكن موجودًا من قبل، واستُحدث خصيصًا لإعادة الاعتبار للعلم داخل منظمة أممية، تواجه أعقد التحديات الغذائية في التاريخ الحديث.

من هذا الموقع، لعبت “الوافي” دورًا محوريًا في إدماج البحث العلمي في السياسات الغذائية العالمية، والدفع نحو قرارات تستند إلى الأدلة والمعرفة، لا إلى الحسابات الظرفية.قيادة أكبر شبكة بحوث زراعية في العالم

ومع نهاية 2023، بلغت مسيرتها ذروة جديدة بتوليها منصب المديرة التنفيذية للمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، وهي شبكة عالمية تضم عشرات المراكز البحثية، وتعمل في قارات متعددة لدعم ملايين المزارعين.

من خلال هذا الدور الهامّ، أصبحت “أسمهان الوافي” في قلب الجهود العالمية الرامية إلى إعادة بناء نظم غذائية أكثر مرونة وعدالة، في مواجهة أزمات المناخ والنمو السكاني وعدم الاستقرار الاقتصادي.

اعتراف دولي متواصل

لم يكن مستغربًا أن تتوالى التكريمات الدولية، من إدراجها ضمن قائمة TIME100 لأكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم، إلى اختيارها ضمن أكثر 100 شخصية إفريقية تأثيرًا لسنة 2025، فضلًا عن حصولها على وسام ملكي مغربي وعدد من الجوائز العلمية العالمية.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاعترافات لا تكمن في الألقاب، بل في الرسالة التي تحملها “أسمهان الوافي” والتي مفادها أن: العلم القادم من الجنوب قادر على التأثير في قرارات الشمال.

أيقونة مغربية بصيغة عالمية

تبعا لكل ذلك تجسد “أسمهان الوافي” اليوم نموذجًا متقدمًا للمرأة المغربية، ليس فقط في مجال العلم، بل في القيادة العالمية الهادئة، القائمة على الكفاءة لا على الضجيج، امرأة اختارت أن تجعل من المعرفة أداة للتغيير الضخم، ومن البحث العلمي أداة لإنقاذ الشعوب.

ففي عالم يبحث عن حلول جذرية لأزمات متشابكة، تواصل “أسمهان الوافي” عملها بعيدًا عن الأضواء، مؤمنة بأن أعظم أشكال التأثير، هو ذلك الذي يُقاس بآثاره على حياة الناس… لا بعدد العناوين.

التعليقات مغلقة.