الانتفاضة // توفيق بوعشرين
المدرسة العمومية التي تنزف يوميًا من آثار العدوان عليها، والتي يفرّ من أقسامها 290 ألف تلميذ كل سنة باعتراف وزارة التربية والتعليم بدون شهادة ، يستعد وزيرها، القادم من عالم الشركات، لاعتماد مادة في التربية الفنية قوامها “الهيب هوب”… هذا اللون الموسيقي الشبابي الاحتجاجي، بل وحتى الثوري، على الدولة والثقافة السائدة والنظام الاجتماعي.
الهيب هوب ليس موسيقى فحسب، بل لغة مقاومة واحتجاج:
يرمز إلى رفض الظلم الاجتماعي والاقتصادي.
يعبّر عن هوية المهمشين والمنسيين من اهتمام النظام.
يحمل رسالة تحرير وتمكين للأفراد داخل مجتمعات مقموعة.
ففي كل مرة يقف فيها شاب أمام المايكروفون، أو يرسم آخر على جدار متشقق، أو يكسر ثالث قوانين الجاذبية برقصه، فإن هؤلاء الشباب يرددون الرسالة التي وُلد هذا الفن من أجلها:
“نحن هنا، لن تخنقوا صوتنا.”
تقول مدونات الموسيقى الحديثة إن موسيقى الهيب هوب ظهرت في حي “برونكس” بمدينة نيويورك في بداية السبعينيات، وسط مجتمع إفريقي-أمريكي وكاريبي يعاني من التهميش والفقر والعنف.
يُعتبر DJ Kool Herc أحد مؤسسي هذا الفن، حيث بدأ في تنظيم حفلات شارع (block parties) سنة 1973، مستخدمًا أسلوبًا جديدًا في العزف يقوم على تكرار الأجزاء الإيقاعية (breaks) من الأغاني، ما شكّل أرضية للرقص والتعبير.
لاحقًا، ظهر الراب كوسيلة لـ”حكايات الحي” بلغة الشارع، وتحول إلى صوت احتجاج ضد كل شيء ضد العنصرية والعنف والتهميش والتمييز الطبقي لكن ايضا ضد القانون والأعراف وقواعد التربية المدنية .
هذه خلفية بسيطة عن هذا الفن الذي يريد معالي وزير التعليم إدخاله إلى المدرسة كمادة فنية وتربوية.
وأنا لا أعترض من حيث المبدأ على إدخال الفن والموسيقى إلى المدرسة، لكن هناك معايير، وهناك منهجيات، وهناك أولويات، وهناك انسجام بين مواد الدراسة ، وهناك أخيرًا اختيارات جماعية، وليست فردية…
- فلنبدأ بالأولويات:
الأقسام التي تضم 50 و60 و70 تلميذًا في الفصل الواحد، هل هؤلاء يحتاجون إلى موسيقى هيب هوب وثقافة الاحتجاج وفن التمرد؟ هؤلاء التلاميذ يتخرجون أساتذة في الغضب والعنف والتمرد والاحتجاج وحتى التشرميل احيانا ، نظرًا لما يعيشونه يوميًا من ظروف القهر في العائلة والشارع والمدرسة وغياب الأفق والأمل والقدوة …
- وماذا عن انسجام:
هذا اللون الموسيقي يتناقض مع مواد تربوية أخرى في المقرر الدراسي، خاصة في اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية على المواطنة ودروس التاريخ والجغرافيا؟ هذه كلها مواد تُدرّس بمناهج تقليدية، وبمحتويات ومضامين محافظة جدًا، إن لم نقل جامدة، توصي خيرًا بالتقاليد والأعراف ، خيرها وشرها، وتركّز على قيم الطاعة والتقليد والحفظ قبل الفهم واحترام التراتبيات والمواضعات القائمة.
وكلها دروس ومناهج تتعارض تمامًا مع ثقافة الهيب هوب القائمة على التمرد وكسر الأعراف والتقاليد، والثورة على كل شيء، حتى على اللغة والنص واللحن والمقام… (ولهذا نجد لغة الشارع والكلمات الخادشة للحياء والكلاشات كجزء من هذا الفن الذي صارت القناة الثانية من رواده وتقدمه في شاشة عمومية ممولة من جيوب دافعي الضرائب دون ان يكون لهولاء رأي في محتواها ولا دخل في تعيين مدرائها الخالدين !).
- وماذا عن الاختيارات الفنية والذائقة الجماعية في المدرسة العمومية؟
هذا موضوع معقد وإشكالي في مجتمع محافظ… من حق الوزير أو الغفير أن يعلّم ابنه ما يشاء من ألوان موسيقية، لأن هذا يدخل في إطار الحريات الشخصية.
لكن عندما نصير في المجال العام، وفي المدرسة العمومية التي تضم ثمانية ملايين من أبناء الشعب القادمين من أوساط ومناطق وثقافات وعقليات مختلفة، فعلينا أن نحتاط، وأن نميل في كل البرامج التربوية والمواد الدراسية والمقررات التعليمية إلى “جغرافية ما لا نختلف عليه”، أي إلى المعارف والمهارات والمكتسبات والثقافات التي يحتاجها التلميذ، ولا تصطدم مع وسطه العائلي أو المجالي أو الثقافي أو الديني لان المدرسة هي منزل المشتركات الوطنية بعدها لكل وجهة هو موليها .
اليوم في أمريكا، التي قطعت سنوات طويلة في التطور والحداثة، هناك جدل حاد حول تدريس بعض المواد الخاصة بالتربية الجنسية وبعض النظريات مثل نظرية التطور والارتقاء لداروين. وهناك من العائلات من اختارت تدريس أبنائها في المنزل بمقررات محايدة أو حتى محافظة، للهروب من “أدلجة مقررات الدراسة” من طرف تيار على حساب تيار آخر.
وهذا الإشكال أحد العوامل التي غذّت حركة MAGA التي يتزعمها دونالد ترامب، والذي وعد ناخبيه بوقف التحول الجنسي، ووقف ثقافة الـWOOK، والرجوع إلى الجذور المسيحية المحافظة للمجتمع الأمريكي الأبيض.
نعم، هناك فارق بين “هناك” و”هنا”، لكننا أمام موجات ثقافية عالمية تعمّم نفسها بدون استئذان من أحد، وهي موجودة على شاشة الهواتف المسماة ذكية، التي صار الشباب مدمنين عليها ويقلدون ما يظهر فوق سطحها دون تمييز، ودون وعي نقدي، ودون حصانة ثقافية غير موجودة أصلًا.
ثم لا ننسى أن ثقافة الهيب هوب غالبًا ما تحمل معها إكسسوارًا خطيرًا: إنها المخدرات المدمرة لعقول وأبدان شباب بلا مناعة…ومع المخدرات يظهر العنف واشياء اخرى.
التعليقات مغلقة.