الشرقاوي….والسقوط الفكري

الانتفاضة

ليست المشكلة في أن يختلف الناس في قراءة الوقائع السياسية أو العسكرية؛ فالاختلاف في التحليل جزء طبيعي من النقاش العام. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التحليل إلى تبرير صريح لأفعال تتعارض مع أبسط المبادئ الأخلاقية والقانونية التي يفترض في المثقف أن يدافع عنها قبل غيره.
الهراء الذي يقدمه الأستاذ الشرقاوي حول استهداف البنية التحتية في إيران لا يطرح مجرد قراءة استراتيجية لما يحدث، بل ينزلق إلى مستوى أخطر: مستوى التطبيع الفكري مع استهداف منشآت مدنية حيوية، بل وتقديم ذلك باعتباره تطورا ذكيا في إدارة الحرب.

وهنا تتكشف أولى المفارقات الكبرى في هذا الخطاب المعوق
فالشرقاوي، بدلا من أن ينطلق من موقف مبدئي يدين ضرب محطات المياه أو منشآت الطاقة التي يعتمد عليها ملايين المدنيين، يتبنى منطقا تقنيا باردا يصف هذه الضربات باعتبارها وسيلة لـ”الشلل الوظيفي” للدولة. بهذا المنطق تتحول حياة الناس ومعاناتهم إلى مجرد أدوات ضغط في لعبة جيوسياسية، ويغدو المجتمع نفسه جزءاً من بنك الأهداف غير المعلن.
هذه ليست مجرد زلة تحليلية، بل هي تعبير عن إفلاس أخلاقي واضح. فالقانون الدولي الإنساني، الذي نشأ تحديدا للحد من فظائع الحروب، يقوم على مبدأ أساسي هو حماية المدنيين والبنية التحتية الضرورية لحياتهم.

فاستهداف منشآت المياه والطاقة والمرافق الحيوية يُعد، وفق الأعراف القانونية الدولية واتفاقيات الحرب، عملا محظورا لأنه يضرب شروط بقاء السكان المدنيين أنفسهم.
ولهذا السبب تُدرج القوانين الدولية منشآت مثل السدود ومحطات المياه والمستشفيات والمنشآت المدنية الأساسية ضمن الأهداف التي لا يجوز استهدافها، لأنها لا تمثل مجرد أصول مادية للدولة، بل هي شروط الحياة للمجتمع.
لكن الشرقاوي يتجاوز هذا المبدأ بالكامل، ويتحدث عن ضرب محطات التكرير وتحلية المياه وكأنها مجرد حلقات في منظومة عسكرية يجب تعطيلها. بهذا المعنى يتحول خطابه من تحليل إلى تبرير صريح لعقاب جماعي يستهدف مجتمعا بأكمله من أجل الضغط على نظام سياسي.
المفارقة الثانية في هذا الخطاب هي تبنيه الكامل للرواية الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية دون أي مسافة نقدية. فبدلا من مساءلة منطق الحرب الذي يقوم على تحويل المجتمع إلى أداة ابتزاز سياسي، يعيد الكاتب إنتاج هذا المنطق ويقدمه بلغة تحليلية تبدو علمية لكنها في جوهرها تبريرية.
المثقف، في الحد الأدنى، مطالب بأن يحتفظ بمسافة نقدية من روايات القوة. أما حين يتحول إلى مجرد ناقل لمنطقها ومسوّق له، فإنه يفقد أحد أهم أدواره: الدفاع عن المعايير الأخلاقية في السياسة.
أما المفارقة الثالثة فتتعلق بطبيعة الرهان الذي يقدمه الشر_قاوي نفسه. فهو يصف بوضوح استراتيجية تقوم على خلق صراع بين الدولة والمجتمع عبر ضرب الخدمات الأساسية ودفع الشارع إلى الانفجار.

أي أن الهدف المعلن لهذه الحرب ليس فقط إضعاف قدرات عسكرية، بل إحداث انهيار اجتماعي من الداخل.
والسؤال هنا بسيط: كيف يمكن لمثقف أن يصف استراتيجية تقوم على دفع مجتمع كامل إلى الفوضى والمعاناة باعتبارها مجرد تكتيك مشروع؟

وكيف يمكن الحديث عن ذلك بلغة تحليلية باردة دون أي إشارة إلى الكلفة الإنسانية أو الأخلاقية لهذه المقاربة؟
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس فقط انحيازه السياسي الاعمى، بل تحويله المعاناة الإنسانية إلى معطى تقني في حسابات الحرب.

وهنا يتبدى البؤس الأخلاقي الحقيقي: حين يصبح العطش، وانقطاع الطاقة، وتفاقم الأزمات المعيشية مجرد أدوات ضغط مشروعة في تحليل أكاديمي.
في النهاية، قد يختلف الناس حول إيران ونظامها وسياساتها الإقليمية، وهذا نقاش سياسي مشروع.

لكن هناك خطا أخلاقيا واضحا يجب ألا يتجاوزه أي خطاب مسؤول: تجريم استهداف المجتمع نفسه.
وحين يسقط هذا الخط الفاصل، لا يعود الأمر مجرد اختلاف في التحليل، بل يتحول إلى سقوط أخلاقي وفكري كامل.

التعليقات مغلقة.