دور المعلم في زمن البخس…

الانتفاضة // ايوب الرضواني

كثير من “نصائح” وتحذيرات مُدرسينا في مختلف الأسلاك التعليمية تبثت عدم صحتها، ولم تنفعنا في شيء.

بل إن الطريقة التي كانت تقدم بها شكلت عائقا وحاجزا أمام النجاح والتفوق. هنا، ألوم منظومة خلقت من المعلم شرطيا بملابس مدنية، يعطي الأوامر بافعل ولا تفعل!

أحد معلمي في مستوى السادس ابتدائي اعتاد وصف شكل كتابتي ب”خط مول الحانوت”! وتدور الأيام بعد 22 سنة، وأعثر على نفس المعلم في الفضاء الأزرق يشغل مركز مدير مدرسة ابتدائية، لأذكره باللقب العالمي وادعوه لمتابعة صفحتي الرسمية. الرجل اعتذر قائلا: “كنا مزال صغار وما عندناش خبرة للتعامل مع الأطفال”.

ملاحظات معلم السادس، وبعده كثيرون، عن خط كتابتي صورته حاجزا قد يتسبب في روسوبي في امتحان أو يشكل عائقا لبلوغ هدف رسمته. وتمر السنين، ومعها عشرات الامتحانات والاختبارات، لأكتشف أن أصحابنا في الله بالغوا وبشدة في مدى تأثير “سوء الخط” على مسار الدراسة، وربما الحياة!

أتذكر أستاذ اجتماعيات “يا حسرة” صديق والدي دعوناه يوما للإفطار رمضاني. لاحظ تعلقي بقناة “cnbc عربية” في عامها الأول بشعارها الجذاب (cbnc عربية…ثروة من المعلومات) ولم أتجاوز حينها السادسة عشر من عمري: آشنو بغيتي بهذا القناة؟ هذي كا يشدوها غير لملايرية!! علّق بعد تناول زلافة من الحريرة أعقبت سجارة على الرّيق.

الفم الذي نطق “زْمَر” كان بإمكانه لفظ “تْمَر” فيشجعني على الاهتمام بشغفي. لم يكن ليخسر شيئا، وكنت سأربح الكثير. ولكنها ثقافة الفشل والإحباط ورسم الحدود في الأدمغة قبل الواقع.

أستاذة فرنسية الأولى إعدادي سألتنا عن أهدافنا عندما نكبر، فأجبت: حلمي أن أصير مدرسا. فما كان منها إلا أن حذرتني: آش بغيتي بالطباشير وصداع الرأس!!! من زمان شكَّل التعليم، لفئة مُعتبرة، مهنة من لا مهنة له!

ولأن الصورة ليست دائما قاتمة، أتذكر أستاذي في الفلسفة والفيزياء، وكيف مزجا التعليم بالقيم بكل أناقة وسلاسة: “سّي سالم” وسؤاله الشهير: ماذا سيقع؟ بقيم دينية تربط ما ندرسه بقوانين وسنن الله في خلقه، والأستاذ (محمد) بقيم عقلية تستفز تفكيرنا النقدي الفلسفي، فلا نقبل ولا نجتر كل ما يقال لنا؛ ماذا يفعل الجني في قرقارتي؟ يُحاجج (دَ محمد) في اقتناء العفاريت شققا في مجاري المياه!

أستاذ الاجتماعيات في الثانوي، شمالي فارع الطول ويدعى أيضا محمد، تفوقت في مادته، وشكلت معه ثنائيا ولا في الأحلام، في حصص هي الأمتع على الإطلاق!

أما الأكثر تأثيرا فأستاذتي فاطمة/ لغة عربية، في الأولى والثالثة إعدادي. سمحت لي وشجعتني على استغلال المجلة الحائطية لكتابة آخر تطورات غزو أمريكا للعراق (مارس/ أبريل 2003)، إنجاز عروض حول مواضيع السياسة واستغلال حصص التعبير الكتابي في نقاش أفكار كثيرة، كما لقبتني بالخطيب الأول! عام 2022، استغلت أستاذتي فاطمة مجموعة لقدامى الثانوية وراسلتني بعد 19 عاما، باعثة لي بصور من تلك المجلة الحائطية.

رغم ما يُبذل من مجهودات لتبخيس دوره، يستطيع المعلم(ة) التأثير بشكل كبير بالسلب أو الإيجاب في تكوين شخصية التلاميذ عن طريق مواقف تُحفر في ذهن الطفل/المراهق، لتكون سببا في تغيير قد يشكل مسار حياته. نحن، وإلى يومنا هذا، نتذكر ما تعلمناه من قيم ومواقف لأستاذتنا، بينما تكفي عطلة تافهة لمحو جميع “المعارف” المُكدسة في الجمجمة كأن لم تكُ شيئا! وللقصة بقية…

التعليقات مغلقة.