قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)﴾
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) والفطرة هي السواء الأصلى الذي يخلق الإنسان عليه أول الأمر، وهي المقصود بقوله تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾التين 4، ومن ثَم يكون الصفاء والبهاء والسواء، في التصرف والاختيار، ألا ترى أن الرضيع يلتقم ثدى أمه لا يخطئه، ويطمئن في حضنها لا يخاف، ويعرف أباه لا ينكره؟ إنه قانون الفطرة السليمة قبل أن تتدخل فيه رعونات المجتمع وتقاليده الفاسدة وأعرافه الضالة ومعتقداته المنحرفة، وقبل استئساد العنجهية والأثرة واختلال التوازن، والاستسلام لإغواء الشيطان والأقران، واستمراء سلب الحقوق والاستهانة بالضعفاء تحت تأثير الشعور بالقوة والغلبة.
إلا أن الذي خلق هذه الفطرة سوية، جعل لأدوائها علاجها، ولحالات اختلالها سبيلا للتقويم، ولإعادتها إلى السداد والرشاد مفتاحا هو العقيدة السليمة، ومنهجا أرسل به خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وقال:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد11. أي إن كان حالهم فاسدا فغيَّروا مُصْعدين نحو السواء كان أمرهم إلى صلاح، وإن كان حالهم صالحا وتنكروا لما فطرهم الله عليه ولما نزل عليهم من العقيدة والإيمان و صفاء التصور كان حالهم إلى سُوء.
إن ميزان القيم قد يختل لدى المرء، فيختل تبعا لذلك فهمه وتتبلد مشاعره، وتضطرب تصرفاته، وتنطمس معالم الحق في عينه، فإذا هو أبصر وزالت عنه غشاوة الجهل أخذ يراجع نفسه ويُحاول تمييز الصواب من الخطأ، في مشاعره ونواياه وأقواله وأفعاله، فإن عجز راجع منظومة القيم التي استردَّتْها فطرتُه وساءَلَها العدلَ والصوابَ.
ذلك كان حال الجيل الأول من المسلمين، وتربيتٌهم تُعاد صياغتُها على ضوء ما ينزل إليهم من الكتاب والحكمة، بعد أن انجلى بنور الإيمان عن فطرتهم ما شابها من غشاوة وعصبية واعتزاز بالقوة والجاه والمال والولد، وأخذوا يقيسون تصرفاتهم بمنظومة القيم الجديدة التي صاغتها العقيدة وأودعتها عقولهم وأفئدتهم، فينكرون ما عارضها مما كانوا عليه، ويراجعون نبيهم صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم منها، وكان القرآن الكريم يوثِّق هذه المراجعات ويوجهها إلى ما تقتضيه الفطرة من العدل والمرحمة والصواب، وفي ذلك سألوه عن الأهلة، وعن الإنفاق، وعن الخمر والميسر، وعما أحل لهم من الطيبات، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن الساعة أيان مرساها…
وكأنما رَهُفت مشاعر الفطرة السوية فيهم وقد تكرر في سورة النساء التحذير من الظلم والاستعلاءِ بالباطل واستضعافِ النساء واليتامى من الذكور والإناث، وافتقدوا الثقة بما ألفوه في جاهليتهم من ذلك، فلجؤوا لاستجلاء الحق والصواب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل بذلك الوحي الكريم مخبرا ومرشدا وآمرا بقوله تعالى:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ وأصل لفظ”يستفتونك” من الفَتَاء وهو الشباب، ومنه الفَتوى والفُتيا وهي جواب ما أشكل من الأحكام، بتبيينها وتقويتها أو تجديدها وتحديثها، يقال استفتيت الفقيه في أمر استعصى عليّ فأفتاني، أي سألته عن قضية لم يتضح لي حكم الله فيها فبينه لي، أو استحدث لي بالاستنباط المنضبط حكما جديدا فيها. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوابصة بن معبد رضي الله عنه:( يا وابصة، استفتِ قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك). أي وإن أباحوه لك أو جعلوا لك فيه رخصة.
والتعبير في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ يشي بأن جماعة من الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحكام متعلقة بحقوق النساء مطلقا وعن كيفية أدائها لهن، إلا أن البخاري روى في سبب نزول الآية أن عائشة رضي الله عنها قالت:”هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليُّها ووارثها، قد شرِكَتْه في مالها، حتى في العَذق[ ] فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا فيشرَكه في مالها، فيعضُلها[ ] فنزلت”. وسأل عروة بن الزبير عائشة عن هذه الآية فقالت:”يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء”. كما أن ابن أبي حاتم روى عن السّدّي أنه كان لجابر بنت عم ذميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا يُنكِحها، خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فنزلت الآية.
وقد حصل هذا الاستفتاء من المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن نزل قوله تعالى في الآية الثالثة من سورة النساء وما بعدها:﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فكان الجواب قوله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قل لهم يا محمد: إن الله يفتيكم فيما غاب عنكم من أمر النساء صغيرات كنَّ أو كبيرات، زوجات أو غير زوجات، ويجيبكم عما سألتم عنه من أحوالهن، ويبين لكم طرائق التعامل السويّ معهن، فاعملوا بما شرعه لكم من واجب القيام بحقوقهن وترك ظلمهن، وهذا القول منه عز وجل وعد قوي ناجز باستيفاء الإجابة عما سألوا، لأنه بلاغ مباشر من الله تعالى يشمل جميع ما شرع من الأمر والنهي في حق النساء. ثم نبه السائلين إلى أمر ينبغي أن لا ينسوه بقوله عز وجل:
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: ويفتيكم كتاب الله تعالى فيما سلف من حالات للنساء سألتم عنها من قبل ونزل حكمها فيه آياتٍ بينات تتلونها، فارجعوا إليها تُبَيِّنْ لكم. وإحالة الفتوى إلى ما يتلى في الكتاب تعبير مجازي عن دعوتهم إلى تدبر الآيات السابقة في أول سورة النساء لمعرفة جواب بعض ما سألوا عنه، كقوله تعالى:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ النساء3/4، وقوله عز وجل:﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ…﴾الآية، النساء 15، وآيات المواريث وغيرها.
ومضمون ما تفتيكم فيه هذه الآيات المتلوة بعد تحريم هضم حقوق النساء عامة، هو ظلم اليتيمات منهن بصفة خاصة حين يبلغن مبلغ الزواج، تحذركم منه وتوصيكم بتجنبه بقوله عز وجل:﴿ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ وقد كان العربي في الجاهلية إذا احتضن يتيمة بولاية أو وصية، وكانت جميلة وغنية تزوجها وأكل مالها ولم يوفها صداقها، وإن كانت ذميمة منعها من الزواج لتخدمه حتى تموت فيرثها، ولذلك قال تعالى بعدها:
﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ تمنعونهن مما فرض الله لهن من تركة آبائهن، أو مما أمر به لهن من صداق يناسب مثيلاتهن.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولفظ “رغب” من أفعال الأضداد يُعدَّى بحرف “في” وحرف “عن”، فتقول: رغب فيه رغبة ورَغَباً إذا أحبه وأراده، ورغب عنه ورغب بنفسه عنه إذا لم يرده وزهد فيه، قال صلى الله عليه وسلم:( من رغب عن سنتي فليس مني) أي من زهد فيها ولم يتبعها. إلا أن فعل:”رغب” في هذه الآية ورد محذوفَ حرفِ التعدية الذي يميز محبة نكاحهن من كراهيته والزهد فيه، وذلك لأن الآية تقصد المعنيين معا، وتشرع للأمرين بأسلوب بالغ الإيجاز والإعجاز، فإن كانت المرأة جميلة كان المعنى: ترغبون فيها، وإن كانت المرأة ذميمة وزهد فيها كان المعنى: ترغبون عنها. وهو ما فهمه عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته، فقال عمر:” إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيراً منك، وإن كانت ذميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعاً لذمامتها”.
والآية توبيخ صريح على ما كان يرتكبه العرب من نكاح اليتيمات المرغوب فيهن لجمالهم أو مالهن، وحرمانهن من ميراثهن وحقهن في اختيار الزوج المناسب وتقدير ما يُرضِيهِنَّ من صداق، ومن أكل مال الذميمات ومنعهن من الزواج حتى يتوفاهن الموت، وتحريم قاطع لهذه الأفعال الظالمة ولكل ظلم ينال مستضعفات النساء في كل زمان ومكان.
ثم أضاف الحق تعالى استكمالا للفتوى فيما سئل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ ﴾ أي: الأيتام ذكورا وإناثا قبل أن يبلغوا سن الرشد، وهم الصنف المستضعف الثاني الذي عالجت الآية الكريمة مظلمته، وكان عرب الجاهلية أيضا يأكلون أموال محاجيرهم من الصغار والصغيرات، والمراد بقوله تعالى:﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو ما أمر به تعالى لهم في أول السورة بقوله:﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ النساء 2.
ثم أجمل تعالى الوصية بالعدل في أمور جميع اليتامي ذكورا وإناثا، فقراء أو أغنياء فقال:
﴿ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ والقسط هو العدل، أي: يفتيكم بأن تقوموا برعاية أموال اليتامى وحفظ حقوقهم وحسن تربيتهم بالعدل، وهو ما بينته أيضا آيات أخرى في أول سورة النساء وفي غيرها من السور كقوله تعالى:﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ النساء 6، وقوله:﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ الأنعام 152، وقوله:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾البقرة 220، وقوله:﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ البقرة 177، وقوله:﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾الفجر17.
وحثا منه عز وجل على القيام بهذه الحقوق عقب بقوله:
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ وكل ما أفتاكم الله به في هذه الآيات الكريمة أعمال خير وبر، وعبادة لله وقربى، لا يغيب علمها عن الله تعالى ولا يضيع أجرها بين يديه.
ثم ينساق تشريع حماية المستضعفين والمستضعفات ليعالج مظلمة أخرى لم يتقدم ذكرها في هذه السورة، وهي حالة الزوجة المهددة بنشوز[ ] زوجها ونفوره منها وإعراضه عنها، بعد أن عالج حالة مضادة أخرى هي حالة الزوجة الناشز عن زوجها في الآية 34 من سورة النساء بقوله تعالى:﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، يعالجها بمنطق لا ينكر طبيعة المشاعر التي تتغير في النفوس، والأهواء التي تجتاح القلوب، فتعصف بكرامة الزوجة وأمن الأسرة، ولكنه لا يتعرض لأسباب النشوز ونشأة بذور الكراهية بين الزوج وزوجته حتى لا يتسع الخرق على الراقع، بل يلمسها لمسا خفيفا لينا ينمي في الطرفين مشاعر الأبوة والأمومة والعطف والشفقة والإحسان، حفاظا على سلامة الأسرة أبا وأما وذرية، وتجنبا لأبغض الحلال عند الله وهو الطلاق، فيقول تعالى:
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ والتعبير في هذه الآية الكريمة يرسل للزوج رسالة كفيلة بتقريب شقة التباعد بين الطرفين، مفادها أن زوجته مهما أعرض عنها ما زالت وفية في حبها له حريصة على دوام الحياة الزوجية وبقاء صرح الأسرة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ لا إثم ولا حرج في أن يسعيا للصلح بأن يتنازل كل منهما عن بعض حقوقه تجنبا للطلاق واستبعادا لمخاطر تبديد أمن الأسرة، ولم يفصل الوحي كيفية هذا الصلح بل تركه لحرية الزوجين في حوارهما الثنائي حوله، سترا لحياتهما الزوجية وهما أعرف بجزئياتها وتفاصيلها، ولأن القضاء لا يتدخل في ذلك بالتفصيل إلا إذا اشتد الخلاف وأشرفت العلاقة على الانفجار، حينئذ يلجأ إلى علاج آخر هو قوله تعالى:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ النساء 35.
ثم يعقب الحق تعالى بالترغيب في الصلح والحث عليه بقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ خير من الطلاق وتشتيت الأسرة وتكريس العداوة بين عائلتي الزوج والزوجة، وما ينشأ عن ذلك من تأثير سيء على تربية الأبناء ومستقبلهم.
ثم في لمسة حانية يلفت الحق سبحانه الطرفين إلى حالة نفسية قد تعكر صفو حياتهما بقوله عز وجل:
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ والشح هو الحالة النفسية التي تحمل على البخل، وقد جبلت النفوس معرَّضةً لحضوره في مشاعرها، ولكنها أمرت في آيتين أخريين بتجنبه واتقائه طلبا للفلاح في الدنيا والآخرة بقوله تعالى:﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ التغابن 16، وقوله:﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر 9.
والشح مطلقا كما يكون في الأموال، يكون في العواطف والمشاعر، وفي محبة الخير للناس ومشاركتهم وجدانيا في أفراحهم وأحزانهم، ومصدره في ذلك كله نضوب ينابيع الرحمة في القلوب، نتيجة عوامل تربوية أو نفسية أو بيئية، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا فذا في الكرم بالأموال والعواطف الطيبة والمشاعر الإنسانية التي يغلبه فيها البكاء أحيانا، كما ورد في عشرات من مواقفه المحفوظة في كتب السيرة والسنن، من ذلك مثلا: ما روي عن عمر من أن امرأة سألته:”بأبي أنت يا رسول الله، أيهما أرحم؟ الله بعبده أو الوالدة بولدها؟فقال لها:(بل الله أرحم بعبده من الوالدة بولدها)، قالت:(فإن الأم لا تلقي بولدها في النار)، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال:(إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد الشارد الذي يشرد عن ربه، يأبى أن يقول لا إله إلا الله). ومن ذلك أن أعرابيا قال له: “إنكم تُقبِّلون الصبيان وما نُقبِّلهم” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك).
ولعل إشارته تعالى إلى الشح في معرض الحديث عن الصلح بين الزوجين تعريض بما قد يكون في حياتهما الزوجية من بخلٍ في الإنفاق، أو بخلٍ في البذل والتكارم، تسامحا في المعاملات المالية أو تبادلا للهدايا، أو تغافرا للأخطاء العابرة من أجل إنقاذ حياتها الزوجية والمحافظة على استقرارها، أو برودةٍ في العلاقات العاطفية بسبب جفاء طبع أحدهما أو قسوة ظروف يمران بها، وعلاج ذلك بمزيد من الكرم في إعطاء الحقوق وإفشاء العوطف والمشاعر، ومزيد من التطاوع والصبر والمعاشرة بالمعروف، قال تعالى:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء 19. ولذلك عقب تعالى آمرا كلا من الزوجين بالإحسان والتقوى في معالجة خلافاتهما وصيانة أسرتهما بقوله عز وجل:﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن أبا السائب كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولاد فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت:”لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسِمْ لي”، فقال:”إن كان يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي”، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فنزلت.
ولما ذكر الحق سبحانه أن الصبر على الحياة الزوجية أحيانا قد يكون عسيرا وإن كانت الزوجة واحدة، وأن الوقوف على الحق والتقوى فضلاً عن الإحسان قد يكون متعسرا، أتبعه بحالة أخرى أشد عسرا من ذلك، هي حالة تعدد الزوجات لدى الرجل فقال:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وهي الحالة التي قد تنشأ عن التعدد المباح المقيدةٍ بالعدل، نزل بها قوله تعالى:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. لذلك نبه الحق سبحانه – وهو العالم بخبايا النفوس وضعف الإنسان عن التحكم فيها- إلى أن العدل القلبي بين النساء في حالة التعدد لا سبيل له ولو حرص المرء على القيام به، لأن القلوب بيده عز وجل يصرفها كيف يشاء أولا، ولأن الأصل في الزواج الإفراد ثانيا، ولأن التعدد مجرد علاج لحالات خاصة ثالثا، وكما يكون الدواء مفيدا تكون له أحيانا مضاعفات أخرى ضارة.
من هذه المضاعفات في الحياة الزوجية أن لا يعدل الزوج بين نسائه، فيهجر بعضهن ويلازم إحداهن لرغبة فيها أو محبة لها، لذلك نهى الله تعالى عن هذا التصرف وعده ظلما ينبغي الإقلاع عنه والتوبة منه وقال:
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: فلا تعرضوا عن أي واحدة منهن إعراضا تاما، بالبخل عليهن في النفقة أو الواجبات الزوجية، فتدعوها كالمعلقة لا هي إلى الأرض ولا هي إلى السماء، لا مطلقة ولا ذات زوج.
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وإن تصلحوا ما أفسدتم من حياتكم الزوجية بظلم بعض أزواجكم وهجرهن وهضم حقوقهن وتتقوا الله فيهن، فإن الله يغفر لكم ويرحمكم، قال عز وجل:﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الرعد6.
فإن تعذر الإصلاح واستحال العدل فما مُقامٌ على ظلمٍ في حياةٍ ولا على هجر في علاقة، وكان فراقهما بالطلاق خيرا لهما ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ يغني الله من فضله كلا منهما عن الآخر، ويكفيه حاجته، أو يعوضه بزوج غير زوجه وحياة زوجية لا ظلم فيها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ واسع المغفرة غنيا كافيا لخلقه، ﴿حَكِيمًا﴾في أحكامه وتشريعاته وما يقيضه لعباده.
لقد كان المحور في هذه الحالات التي ذكر علاجها في هذه الآيات المباركة، هو الدعوة إلى نبذ استضعاف طائفة من الأمة، هم الأيتام والنساء اليتيمات، والزوجات في حالتي الإفراد والتعدد، وهي حالات إن لم يرتفع الظلم عنها تؤدي إلى فساد المجتمع بالتفكك والشقاق والتنازع وفشو الفواحش، ولا سبيل للإصلاح فيها إلا بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه من غير نقص أو إذلال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع)[ ]، وروى عبد الله بن عبد العزيز العمري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، أنه لما استعمل عليا رضى الله عنه على اليمن قال له: (قدم الوضيع قبل الشريف وقدم الضعيف قبل القوى).
التعليقات مغلقة.