الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر
مرت أربعة أشهر على الكارثة، ولا يزال المشهد في الأحياء المتضررة بمدينة القصر الكبير يوحي بأن الفيضانات مرت من هنا بالأمس فقط. أربعة أشهر كانت كافية لتجف المياه التي غمرت البيوت والمحلات التجارية، لكنها لم تكن كافية لتجفيف دموع الساكنة التي وجدت نفسها تواجه مصيرها المعلق بين وعود المسؤولين ب(إعادة الإعمار والتعويض) وبين واقع مرير يطبعه التهميش والانتظار.
أحياء تحت الأنقاض المؤجلة، واقع عار من التجميل:
تعري المشاهد الصادمة في الأحياء المنكوبة زيف شعارات الإصلاح، وتكشف عن دمار مستمر يرفض الاختباء. فالشروخ البارزة على الجدران والرطوبة التي نخرت أساسات البنايات البسيطة تتحدث عن نفسها. ولا تزال العديد من العائلات تقيم في منازل مهددة بالانهيار، فيما تكافح عائلات أخرى للتعايش مع واقع معيشي مزر، بعد أن سلبها الفيضان أثاثها وسبل كسب قوتها اليومي.
“منذ أربعة أِهر ونحن نسمع اللجان تلو اللجان جاءت لإحصاء الخسائر، لكننا لم نلمس أي أثر لتلك الوعود على أرض الواقع. نعيش خوفا يوميا من انهيار جدران بيوتنا فوق رؤوسنا” – هكذا صرح أحد المتضررين بحي بلاد الصرصري.

أين تبخرت وعود المجلس الجماعي والجهات الوصية؟
عقب الفيضانات مباشرة، تسابقت المجالس المنتخبة والجهات الإقليمية لإطلاق تصريحات تطمينية، مؤكدة رصد ميزانيات استعجالية لتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة، وتطهير قنوات الصرف الصحي التي كانت السبب الرئيسي في اختناق المدينة.
لكن اليوم، وبعد مرور 120 يوما، يتساءل الرأي العام المحلي بالقصر الكبير: أين وصلت هذه الوعود؟
- التعويضات.. حبر على ورق: إقصاء مطلق وغياب تام لأي دعم مالي يضمد جراح الأسر المنكوبة، أو ينقذ أصحاب المحلات التجارية الذين هووا إلى قاع الإفلاس دون الالتفات لمعاناتهم.
- التواصل: يسود صمت مطبق من طرف مسؤولي الشأن المحلي، الذين فضلوا “سياسة الأذن الصماء” بدل التواصل الشفاف مع الساكنة واطلاعهم على معيقات تقدم ملف الإعمار والذي هو حق من حقوقهم.
دعوات للمساءلة والتدخل والساكنة ترفض سياسة “المسكنات”
تطالب الفعاليات الحقوقية والجمعوية بالمدينة بفتح تحقيق نزيه حول مآل الميزانيات والوعود التي أطلقت إبان الأزمة، مشددين على أن استمرار هذا الوضع يشكل قنبلة موقوتة قد تفجر احتقانا اجتماعيا وشيكا. الساكنة لم تعد تطالب بمسكنات مؤقتة أو قفف غذائية، بل كل ما تريده هو حلول جذرية تعيد لهم الأمان المفقود.
إن ما تشهده مدينة القصر الكبير بعد مرور أربعة أشهر على الفاجعة ليس مجرد تعثر في الإعمار، بل هو تجسيد صارخ لخلل تدبيري عميق يفضح الزيف بين الوعود الفضفاضة والواقع المزري للساكنة. ومع استمرار هذا الجمود، يظل السؤال الحارق يتردد بين أزقة المدينة المنسية: هل ينتظر القائمون على الشأن المحلي حدوث مأساة جديدة للاستيقاظ من سباتهم، أم أن ملف إعادة الإعمار قد طوي ودفن تحت أنقاض الوعود؟
