الانتفاضة/بقلم: ذ. عبداللطيف نجم فؤاد
كورونا بدأ لعبته بصورة جائحة عالمية. وباعتبارأنه وباء ينتقل بين البشر، فإن اجتماع الناس في أماكن عامة وغيرها يسمح بتوسع آثار فعل هذا الفيروس، مما يهدد بإصابة الملايين من الأشخاص نتيجة وجودهم المشترك في العمل والمدرسة والأسواق وغيرها من أماكن تحتضن تجمعات، وذاك ما حصل.
خطر كورونا عطل النشاط الاقتصادي العالمي بنسبة كبيرة وترتب على ذلك توقف عمل العديد من المصانع وشركات النقل التي تعمل على الطاقة النفطية وغيرها، مما جعل كمية النفط المطروحة في الأسواق تشكل فائضا كبيرا لا مجال لتخزينه أو استعماله، وهو أمر دفع بقطاعات التسويق إلى البيع بأثمنة بخسة.
وعلى حين غفلة من أنظار المراقبين والمتتبعين والخبراء والسياسيين. وفيما يتجه العالم للترقب في متابعة فيروس كرورنا سرق الأضواء انهيار أسعار النفط بصورة دراماتيكية لامثيل لها. حيت حولت أزمة فيروس كورونا أسعار النفط من صعود متزايد إلى انهيار تاريخي لن ينسى في أسواق النفط العالمية.
ما حدث في الأسواق يشكل انهيارا وليس هبوطا عاديا كسابقيه، خصوصا ونحن نتحدث عن سلعة تعارف الناس على تسميتها، طيلة عقود خلت، باسم ‘’الذهب الأسود’’. والكل يعلم أنها سلعة نقلت شعوبا عربية من الفقر والحاجة إلى الثراء الفاحش والرفاهية والبذخ.
والعالم يعيش حاليا وضعا خاصا واستثنائيا يتجلى في انتشار جائحة وباء فيروس كورونا وما ترتب عنها من مخاوف وقلق عالمي، حيث طالت هذه الجائحة عدة مجالات وقطاعات حيوية تأثرت بفعل الجائحة، مما سيؤدي لهبوط حاد في الطلب والإقبال على الذهب الأسود ومشتقاته بسبب القيود التي فرضتها بعض دول العالم للحد من حرية التنقل والسفر، ودخول الصين في ركود اقتصادي بسبب الوباء وهو ما يعني بالضرورة انخفاض طلبها على المحروقات بشتى أنواعها.
هذا الوضع القاتم الغير الواضح المعالم دفع بالسعودية وهي أكبر منتج للنفط في العالم لتقرر خفض أسعار بيع نفطها وأدى إلى هبوطها في السوق العالمية بأكثر من عشر دولارات. هذا القرار كان بمثابة إشارة واضحة إلى “حرب أسعار” أو “حرب نفطية ” أشعل فتيلها بين السعودية وروسيا نتج عنه فوضى وفقدان السيطرة على السوق ومن تم انهيار الأسعار الفوري .
هذه الانهيارات الغير المسبوقة في أسعار برميل النفط التي فجرت السعودية في وجهها الغضب الأمريكي وبفعل إغراق خزانات النفط الأمريكي التي لم تعد تتحمل المزيد مما أضر بالمنتجين الأمريكيين وأثار غضبهم وغضب ممثليهم في الكونغرس في شخص السيناتور الجمهوري “تيد كروز” عندما حذر من إفلاس منتجي الطاقة بالولايات المتحدة و من تعرض الملايين للبطالة وخاطب للسعوديين قائلا: “أعيدوا ناقلاتكم بحق الجحيم “. وهي ناقلات سعودية محملة بملايين البراميل من النفط وكأنها محملة بأطنان الفيروسات من صنف كورونا حتى أصبح الكل ينفر منها ومن حمولاتها المشؤومة. هذا الوباء ” النفطي ” الذي يجوب المحيطات وأصبح عالة حتى على المياه الزرقاء دفع بالرئيس الأمريكي لفرض رسوم جمركية على واردات النفط السعودي العائمة في المحيط، ودفع أيضا بالرئيس الكندي بالتلويح بنفس عبارات ترامب الشيء الذي حتم على السعودية بتغيير مسار ناقلاتها إلى مرافئء أخرى والحالة هاته أنها لا تتحرك مجانا فكيف لو غيرت وجهتها إلى اتجاهات أخرى أو بقيت راسية في أماكنها كخزانات عائمة لا ناقلات نفط.
إن هذا التوقف بفعل إجراءات الدول الاحترازية أدى فعلا لنقص في الطلب ووفرة في العرض (مخزون النفط العالمي شبه ممتلئء ) وتراجعت بسببها أسعار النفط وعليه فلربما لن تتأثر الأسعار طويلا مع تواصل المنتجين إلى اتفاق بخفض الإنتاج ومع انحسار الوباء عن دول العالم وتراجع الحجر وربما مع مجيء الصيف “ذروة الحركة والإنتاج ” سيظهر تعطش السوق للنفط وهو ما تعودت عليه العديد من الدول المنتجة للنفط، إضافة إلى أن الضغط الأمريكي على أطراف النزاع سيكون له تأثير في الحد من تدهور أسعار النفط، لأن انخفاضها لن يخدم أيا من أطراف الأزمة.
كل هذه العوامل جعلت المراقبين يرون صعوبة تصحيح أوضاع الأسواق المتدهورة بسبب فيروس كورونا وأثره على الطاقة بشتى أنواعها. وأنه لا حل لأسواق النفط إلا بتضافر جميع العوامل المؤثرة في الأسواق .بدءا من تعافي الطلب وصولا إلى عودة مستويات الإنتاج إلى ما قبل سباق الأسعار، ومع هذا كله . يصعب التكهن بموعد تعافي الأسواق .
التعليقات مغلقة.