بين العمل الحقوقي الحقيقي وركوب المآسي.. حين تتحول القضايا الإنسانية إلى وسيلة لصناعة الواجهة

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في زمن تزداد فيه الأزمات الإنسانية تعقيداً، وتتشابك فيه المآسي الاجتماعية والسياسية، يظل العمل الحقوقي الحقيقي أحد أنبل الرسائل التي يمكن أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. ذلك العمل الذي لا ينتظر الأضواء، ولا يبحث عن منصات التواصل الاجتماعي ليعلن عن نفسه، بل يسير بهدوء حيث يكون الألم حقيقياً والحاجة ماسة.

لكن في المقابل، تبرز بين الفينة والأخرى ظواهر تستوقف المتأمل، تتمثل في وجوه لا يُكشف عن وجودها إلا بعد أن تتحول القضايا الإنسانية إلى مادة إعلامية دسمة، وتصبح حديث الساعة على المنصات الرقمية والقنوات الإخبارية. أناس لم نرهم في فترات الهدوء، ولم نسمع لهم صوتاً في أوقات الحاجة الصامتة، لكنهم يحضرون بقوة حين تلمع كاميرات التصوير وتُرفع رايات الاستغاثة.

المتابع لبعض هذه السلوكيات يلاحظ نمطاً متكرراً، يتمثل في استغلال معاناة الآخرين كوسيلة لصناعة واجهة براقة، أو بناء سمعة تستند إلى هشاشة المآسي لا إلى صلابة الإنجاز. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نفرق بين المدافع الصادق عن الحقوق، ومن يركب الموجة مستغلاً الألم؟

الفرق يكمن في الاستمرارية والصدق والشفافية. الناشط الحقوقي الحقيقي تجده حاضراً قبل الأزمة وأثناءها وبعدها، يعمل في صمت، يوثق الانتهاكات، يقدم الدعم القانوني والإنساني، لا ينتظر التصفيق ولا يسعى إلى مقايضة الألم بمكاسب شخصية أو سياسية. أما الآخر، فيظهر فجأة، يطلق التصريحات النارية، ينظم الوقفات التلفزيونية، ثم يختفي حين يتحول الانتباه إلى قضية أخرى.

إن تحويل القضايا الإنسانية إلى منصة للشهرة أو وسيلة لتحقيق أهداف خاصة يمثل انتهاكاً أخلاقياً لا يقل خطورة عن انتهاك الحقوق نفسها. فالمتضرر الحقيقي هنا ليس فقط من يُستغل ألمهم، بل أيضاً العمل الحقوقي النزيه الذي يُظلم حين تُخلط أوراقه مع هذه الممارسات.

ما نحتاج إليه اليوم، في مجتمعات تعاني أزمات متلاحقة، هو إعادة الاعتبار للعمل الحقوقي القيمي القائم على المهنية والمسؤولية، بعيداً عن الوجوه البراقة التي تبحث عن دور في مسرح المآسي. نحتاج إلى وعي جمعي يميز بين من يقف حقيقة إلى جانب المكلومين، ومن يقف إلى جانب الكاميرات.

التعليقات مغلقة.