الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر
لا تكمن أهمية الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة في تعدد الملفات التي تناولها فحسب، بل في الترابط الذي يجمع بين مختلف القضايا المطروحة، من السيادة الاقتصادية إلى العدالة الاجتماعية، ومن إصلاح الإدارة إلى مسؤولية المنتخبين. فهذه المحاور، رغم اختلاف مجالاتها، تلتقي عند سؤال جوهري يتعلق بقدرة المؤسسات المغربية على تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. ويكشف هذا الترابط عن طبيعة الرهانات التي تواجه المرحلة المقبلة، حيث لم يعد كافيا تحديد الأولويات أو إطلاق المشاريع الكبرى، بل أصبح ضروريا ضمان تنفيذها بكفاءة، وتقييم أثرها، والتأكد من انعكاسها على فرص الشغل وجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق بين الفئات والمجالات الترابية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الخطاب الملكي باعتباره مناسبة لإعادة طرح العلاقة بين طموح الدولة التنموي وفعالية المؤسسات المكلفة بتحقيقه، في سياق يتطلب الجمع بين الحفاظ على المكتسبات الوطنية والاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. كما تواجه السياسات التنموية، في كثير من الأحيان، تحديا لا يرتبط بغياب التصورات أو نقص الأهداف المعلنة، بقدر ما يرتبط بصعوبة الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز. فوجود برامج استراتيجية لا يضمن وحده تحقيق النتائج المرجوة، ما لم تقترن هذه البرامج بآليات واضحة للتنفيذ والتنسيق والمراقبة والمحاسبة. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في الملفات المرتبطة بالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، حيث يشكل تأخر نقل الاختصاصات، وضعف التنسيق بين المصالح المركزية والترابية، وعدم كفاية الموارد المتاحة لبعض المؤسسات، عوامل قد تحد من فعالية التدخل العمومي.
لذلك، فإن تطوير الأداء الإداري يقتضي أكثر من تبسيط المساطر أو تسريع معالجة الملفات؛ إذ يستلزم إعادة تنظيم العلاقة بين مستويات القرار، وتحديد مسؤولية كل جهة متدخلة، وتمكين المؤسسات الترابية من الوسائل اللازمة للقيام بمهامها.
وتتوقف أهمية هذا الورش على قدرته على تقريب القرار من المواطنين، وتقليص المسافة بين تحديد الحاجيات والاستجابة لها، بما يجعل الإدارة أداة فعلية للتنمية بدل أن تتحول الإجراءات المعقدة وتداخل الاختصاصات إلى عائق أمامها. وتفرض التحولات الدولية إعادة النظر في مفهوم القوة الاقتصادية، الذي لم يعد مرتبطا فقط بمعدلات النمو وحجم الاستثمارات، وإنما كذلك بقدرة الدول على تأمين حاجياتها الحيوية والتعامل مع الأزمات الخارجية.
وفي هذا السياق، تكتسب ملفات الماء والطاقة والغذاء أهمية استراتيجية بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى ارتباطها المباشر باستقرار الاقتصاد واستمرارية الإنتاج وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. تعزيز السيادة في هذه المجالات يعني بناء قدرات وطنية أكثر صلابة، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين تدبير الموارد، وتطوير الإنتاج المحلي حيثما كان ذلك مجديا اقتصاديا وبيئيا. ولا يقتضي هذا التوجه بالضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، بقدر ما يستهدف تقليص مواطن الهشاشة وتوسيع هامش القرار الوطني.
غير أن هذه الأولويات تطرح تحديا إضافيا يتمثل في ضرورة التنسيق بين السياسات القطاعية. فالاختيارات المتعلقة بالفلاحة والصناعة والطاقة والماء لا يمكن تدبيرها بمعزل بعضها عن بعض، لأن القرارات المتخذة في قطاع معين قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الموارد المتاحة لبقية القطاعات. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتوسيع الاستثمارات في المجالات الاستراتيجية، بل أيضا بضمان انسجامها مع متطلبات الاستدامة والإنصاف الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية.
ويفتح الاهتمام بالصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي المجال أمام نقاش أوسع حول موقع المغرب في التحولات الاقتصادية العالمية. ففي ظل المنافسة المتزايدة على التكنولوجيا والمعرفة، لم يعد استقطاب الاستثمارات وحده كافيا لضمان موقع اقتصادي متقدم، ما لم يواكبه تطوير للكفاءات الوطنية، وتعزيز للبحث العلمي، وتشجيع للابتكار، وتوسيع لقدرة المقاولات المحلية على إنتاج قيمة مضافة.
ويضع هذا التوجه منظومة التعليم والتكوين والجامعة والبحث العلمي أمام مسؤولية متزايدة، تتمثل في إعداد الموارد البشرية القادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية، وتطوير حلول تستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني. كما يقتضي توظيف الذكاء الاصطناعي التفكير في شروط استعماله، سواء من حيث حماية المعطيات الشخصية أو تطوير المهارات أو تدبير انعكاساته على سوق الشغل.
وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى الاستثمار التكنولوجي باعتباره وسيلة لتعزيز الإنتاجية وتطوير الاقتصاد، لا مجرد سباق نحو اعتماد التقنيات الحديثة. فالمعيار الأساسي يظل قدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص اقتصادية جديدة، وتحسين تنافسية المقاولات، وتوفير وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ومن أبرز الأسئلة التي تطرحها الرهانات التنموية مدى قدرة النمو الاقتصادي على تحسين ظروف عيش المواطنين بصورة متوازنة. فارتفاع حجم الاستثمارات أو تطور البنيات التحتية لا يعني بالضرورة أن مختلف الفئات الاجتماعية تستفيد بالقدر نفسه من ثمار التنمية. وقد تتحقق نتائج إيجابية على المستوى الاقتصادي العام، بينما تستمر صعوبات الولوج إلى الشغل أو الخدمات الأساسية لدى فئات ومناطق معينة. وتفرض هذه المفارقة ربط السياسات الاقتصادية بأهداف اجتماعية واضحة، من خلال الاهتمام بجودة التعليم والصحة والنقل والسكن، وتحسين فرص الاندماج المهني، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التجهيزات والفرص. كما أن قياس النجاح التنموي ينبغي ألا يقتصر على المؤشرات الإجمالية، بل يجب أن يشمل مدى تحسن الخدمات التي يحصل عليها المواطن، وتطور فرص الارتقاء الاجتماعي، وتقلص الفوارق بين المناطق والفئات.
وتزداد أهمية هذه المقاربة عندما يتعلق الأمر بالشباب، الذين ترتبط انتظاراتهم بقدرتهم على بناء مستقبل مهني واجتماعي مستقر، والاستفادة من فرص تتناسب مع مؤهلاتهم وتطلعاتهم. فمعالجة التحديات التي تواجه هذه الفئة تتطلب انسجاما بين منظومة التعليم والتكوين وحاجيات سوق الشغل، إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص والحد من العوامل التي تجعل الانتماء الاجتماعي أو المجال الجغرافي مؤثرا في فرص النجاح.
لا يمكن تحقيق تنمية متوازنة بالاعتماد على قرارات مركزية وحدها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجالات تختلف في حاجياتها وإمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، تبرز الجهوية المتقدمة باعتبارها مدخلا لتطوير تدبير التنمية الترابية، وتمكين المؤسسات المنتخبة من الإسهام بصورة أكبر في تحديد الأولويات المحلية. غير أن فعالية هذا الورش تظل مرتبطة بوضوح الاختصاصات وتوفير الموارد المالية والبشرية، إلى جانب تحديد العلاقة بين المجالس المنتخبة ومصالح الدولة على المستوى الترابي.
فمن الصعب مطالبة المؤسسات الجهوية بتحقيق نتائج ملموسة دون منحها الإمكانات التي تسمح لها بتنفيذ البرامج الداخلة ضمن اختصاصاتها. كما أن نقل الصلاحيات دون وضع آليات للتنسيق والتقييم قد يؤدي إلى ظهور صعوبات جديدة في تدبير المشاريع.
وتقتضي العدالة المجالية، في هذا السياق، اعتماد مقاربة تراعي تفاوت الحاجيات بين الجهات، وتوجه الموارد وفق الأولويات التنموية، بما يسمح بتحسين الخدمات الأساسية وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل في المناطق الأقل استفادة.
وهكذا، يصبح نجاح الجهوية مرتبطا بقدرتها على الجمع بين تقريب القرار من المواطن وضمان التضامن بين مختلف المجالات الترابية. تطرح التحولات الاقتصادية كذلك ضرورة إعادة تقييم الدور المنتظر من المقاولة الوطنية في النموذج التنموي.
فالدولة تستطيع توفير البنيات التحتية وإرساء الإطار التنظيمي وتحسين مناخ الاستثمار، لكن تحويل هذه الشروط إلى إنتاج وفرص شغل وصادرات وابتكار يظل مرتبطا أيضا بمبادرة القطاع الخاص وقدرته على تحمل المخاطر وتطوير أنشطته.
ومن هذا المنظور، ينبغي تقييم الاستثمار وفق نتائجه الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط وفق حجمه أو عدد المشاريع التي يعلن عنها. فالمقاولة التي تساهم في تطوير الكفاءات الوطنية، وتوفير وظائف مستقرة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، تؤدي دورا يتجاوز المردودية التجارية المباشرة.
كما أن توسيع مساهمة القطاع الخاص في التنمية يقتضي تطوير العلاقة بين الاستثمار والتكوين، وتشجيع الابتكار، وتعزيز اندماج المقاولات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإنتاج. ويظل التحدي الأساسي هو بناء دينامية اقتصادية قادرة على خلق الثروة وتوسيع فرص الاستفادة منها، بما يحقق تكاملا بين المبادرة الخاصة والأهداف التنموية للدولة.
تتطلب مواجهة هذه الرهانات مؤسسات تشريعية قادرة على مواكبة التحولات، ليس فقط عبر المصادقة على القوانين، وإنما أيضا من خلال ممارسة الرقابة على العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. ويشكل هذا الدور عنصرا أساسيا في ضمان انسجام القرارات العمومية مع الأهداف المعلنة، وتحديد مكامن الاختلال، ومساءلة الجهات المسؤولة عن تنفيذ البرامج. كما أن فعالية العمل البرلماني ترتبط بمدى قدرته على الانتقال من النقاش العام حول الأولويات إلى متابعة النتائج، من خلال أدوات الرقابة والتقييم، وتعزيز النقاش المبني على المعطيات، وإتاحة المجال أمام مساءلة السياسات التي لا تحقق الأهداف المنتظرة منها.
ولا تنفصل هذه المسؤولية عن البعد الأخلاقي للتمثيل السياسي، الذي يقتضي أن يكون العمل البرلماني موجها لخدمة المصلحة العامة، مع احترام الالتزامات المرتبطة بالانتداب الانتخابي. ومن شأن تطوير هذا الدور أن يعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة، شريطة أن تقترن المسؤولية السياسية بآليات فعلية للمساءلة والشفافية وتقييم الأداء.
إلى جانب الأولويات الداخلية، تبرز العلاقات الدولية، ولا سيما التعاون مع إسبانيا في ملف الهجرة، باعتبارها مجالا تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية والإنسانية.
وتفرض طبيعة هذه الملفات تطوير أساليب التعاون بما يضمن وضوح المسؤوليات وتوازن الالتزامات، مع تجنب اختزال الشراكات في تدبير الأزمات الظرفية. فالهجرة، باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن التعامل معها من خلال الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب كذلك التعاون الاقتصادي، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، وتطوير المسارات القانونية للتنقل والعمل، ومعالجة العوامل التي تدفع إلى الهجرة غير النظامية.
كما أن الحفاظ على شراكات مستقرة يقتضي إدارة الاختلافات عبر الحوار والآليات المؤسسية، بما يسمح بحماية المصالح الوطنية والاستفادة من مجالات التعاون المشترك. وتندرج هذه المقاربة ضمن تصور أوسع للعلاقات الخارجية، يقوم على تعزيز قدرة المغرب على الدفاع عن أولوياته وتدبير شراكاته انطلاقا من المصالح المتبادلة.
إن تعدد الملفات التي يطرحها الخطاب الملكي يعكس ترابطا بين السيادة الاقتصادية والإصلاح الإداري والعدالة الاجتماعية والمسؤولية السياسية. فلا يمكن تأمين شروط التنمية دون اقتصاد منتج، ولا يمكن توسيع أثر النمو دون خدمات عمومية فعالة، كما لا يمكن تحقيق تنمية ترابية متوازنة دون توزيع واضح للصلاحيات والموارد. لكن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بقدرة المؤسسات على تحديد الأولويات التنفيذية، وضبط المسؤوليات، وتوفير التمويل اللازم، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس النتائج.
ويقتضي ذلك أن تصبح جودة الخدمات، وفرص الشغل، ومستوى الولوج إلى الحقوق الأساسية، ومدى تقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية، عناصر مركزية في تقييم السياسات العمومية.
فالرهان لا يتعلق فقط بما يمكن للدولة أن تطلقه من مشاريع أو تعبئه من استثمارات، بل بقدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى تحسن فعلي في ظروف العيش، وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الأبرز الذي تطرحه المرحلة المقبلة يتمثل في بناء علاقة أكثر فعالية بين القرار والتنفيذ، وبين الاستثمار والنتائج، وبين النمو والإنصاف. وهي علاقة ستحدد إلى حد كبير قدرة النموذج التنموي المغربي على الاستجابة للتحديات الجديدة وتحويل طموحاته الاستراتيجية إلى مكتسبات مستدامة.