الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة إ
في مشهد سياسي مغربي استثنائي، تفتح التحولات التي أعقبت الانتخابات التشريعية لسنة 2026 الباب أمام أسئلة عميقة حول مستقبل الممارسة السياسية، وحدود التغيير داخل المؤسسات الدستورية، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تجاوز الحسابات التقليدية التي ظلت تتحكم في توزيع المسؤوليات والمناصب الكبرى.
ومع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية، تدخل المرأة المغربية مرحلة جديدة من الحضور في أعلى مستويات القرار التنفيذي. لكن هذا التحول يطرح سؤالا مشروعا: إذا كانت المرأة قادرة على قيادة الحكومة، فلماذا لا تكون قادرة أيضاً على رئاسة مجلس النواب؟
حينما تحلّق الملائكة في سماء البرلمان، هل تختفي الشياطين إلى الأبد، أم أنها تنتظر فرصة جديدة للعودة إلى البهو السياسي؟
إنها صورة مجازية تختزل التناقضات التي يعرفها المشهد السياسي، حيث تتعالى الشعارات عن الإصلاح والتخليق وتكافؤ الفرص، بينما تظل الممارسة السياسية محكومة أحياناً بالتوازنات الحزبية والحسابات الانتخابية والتوافقات التي تُصنع خلف الأبواب المغلقة.
فالبرلمان ليس مجرد بناية تضم ممثلي الأمة، بل هو مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فضاءً للنقاش المسؤول، والتشريع الجاد، ومراقبة العمل الحكومي، والدفاع عن مصالح المواطنين. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بهوية الشخص الذي يتولى رئاسة مجلس النواب، بل أيضاً بمعايير الاختيار، ومدى احترام الكفاءة والاستحقاق والمساواة بين النساء والرجال.
لماذا لا تكون المرأة رئيسة لمجلس النواب؟
إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة أن رئاسة مجلس النواب ستؤول إلى امرأة، لأن لكل مؤسسة مسارها السياسي وآليات اختيار مسؤوليها. لكن هذا لا يمنع من التساؤل عن مدى استعداد الأحزاب المغربية لمنح النساء فرصة الوصول إلى مختلف مواقع المسؤولية، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات.
فالمرأة المغربية حاضرة في البرلمان، وفي الحكومة، وفي المجالس المنتخبة، وفي مختلف مجالات العمل العام. ومع ذلك، فإن التمثيلية العددية لا تعني دائما الوصول المتكافئ إلى مراكز القرار.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي: هل ستكتفي الأحزاب بتقديم المرأة باعتبارها واجهة للتغيير، أم ستمنحها فرصة حقيقية للمنافسة على أعلى المناصب السياسية، بما فيها رئاسة مجلس النواب؟
إن الكفاءة السياسية لا ترتبط بجنس صاحبها، بل بقدرته على تحمل المسؤولية، واحترام الدستور، وتدبير الاختلاف، وضمان استقلالية المؤسسة التي يترأسها.
بين رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان… منطق التوازنات
إن رئاسة مجلس النواب ليست منصباً يُمنح تلقائياً لرئيس الحكومة أو لحزب بعينه، بل تخضع لانتخاب داخل المجلس وفق القواعد الدستورية والتنظيمية المعمول بها.
ومن ثم، فإن اختيار رئيس المجلس يعكس، إلى جانب الشروط القانونية، طبيعة التوافقات بين الفرق والمكونات السياسية، وهو ما يجعل المنافسة على هذا المنصب اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الأحزاب على تغليب المصلحة المؤسساتية على الحسابات الضيقة.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت المرحلة السياسية الجديدة ترفع شعار التغيير، فلماذا لا يشمل هذا التغيير أيضا فتح المجال أمام النساء للمنافسة على رئاسة المؤسسة التشريعية؟
إن المطلوب ليس إقصاء الرجال لإرضاء النساء، ولا منح المسؤولية على أساس الجنس وحده، بل إرساء منافسة سياسية عادلة يكون معيارها الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المؤسسة الدستورية.
من يطرد الشياطين من السياسة؟
إن الشيطان، في هذا السياق، ليس شخصا بعينه، بل رمز للممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي، من تضارب المصالح إلى استغلال النفوذ، ومن تقديم المصالح الحزبية على المصلحة العامة إلى إضعاف الثقة بين المواطن وممثليه.
ومهما تغيرت الوجوه والأسماء، فإن الإصلاح الحقيقي لن يتحقق بمجرد وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة أو وصول رجل إلى رئاسة البرلمان. بل يتحقق عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون فوق الجميع، والمحاسبة قاعدة لا استثناء.
فهل تكون المرحلة السياسية الجديدة بداية لفتح أبواب البرلمان أمام كفاءات نسائية جديدة، أم أن التغيير سيظل محصوراً في الوجوه، بينما تستمر التوازنات القديمة في التحكم في القرار؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا أمام الرأي العام المغربي، بعيدا عن الأحكام المسبقة، وبعيدا عن اختزال الإصلاح في جنس المسؤول أو هويته الحزبية.
فالملائكة لا تصنعها المناصب، والشياطين لا تطردها الشعارات؛ وإنما تصنع الثقة مؤسسات قوية، وسياسة مسؤولة، ومحاسبة عادلة، وإرادة حقيقية لخدمة المواطن والوطن.