الانتفاضة/ بقلم: مراكش / باب دكالة
من يعرف درب الجديد بباب دكالة بمراكش، يعرف جيدا ذلك الرياض الخشبي العتيق. رياض الحاج بوبكر للأبد. منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد بيت، بل كان برلمانا شعبيا مصغرا، وساحة مفتوحة للفعل السياسي الاستقلالي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
في زمن كان العمل الحزبي يحتاج إلى جدران تحميه وسقف يجمع المناضلين، كان هذا الرياض هو المقر غير الرسمي لحزب الاستقلال في مراكش المدينة. كل الحملات الانتخابية، كل المسرحيات السياسية بمعناها النبيل، كل اللقاءات التعبوية، مرت من هناك.
سواء في عهد المرحوم الدفالي، الرجل الذي كان رمزا للتنظيم الصلب والانضباط الحزبي، أو في عهد ما سمي بـ “الاستقصاء” وصراع الأجنحة داخل الحزب، ظل رياض الحاج بوبكر ثابتا. أبوابه الخشبية كانت تفتح للجميع: للمناضل البسيط من رياض الزيتون، للتاجر من سوق السماط، للطالب القادم من القصبة، للمرأة الاستقلالية التي كانت تحمل القفة وتنشر المنشورات.
كان الرياض يتحول أيام الانتخابات إلى خلية نحل. الطاولات الخشبية تتحول إلى مكاتب لتحرير اللوائح، والساحة الوسطى إلى منصة للخطب، والغرف الجانبية إلى مطبخ جماعي يطعم المتطوعين. لم يكن ترويجا انتخابيا بمفهومه التجاري الحالي، بل كان تعبئة وجدانية. الناس كانت تأتي لأنها تؤمن بفكرة، لا بمرشح.
لكن ماذا حدث في السنوات الأخيرة؟
المتتبع للشأن المحلي بباب دكالة يلاحظ تراجعا غريبا. الرياض الذي كان ساحة عمومية بامتياز، انغلق على نفسه. الأبواب التي كانت مشرعة طيلة 40 سنة، أصبحت موصدة. الصخب الانتخابي الذي كان يملأ الدرب الجديد، اختفى.
هذا التحول من الانفتاح إلى الانكفاء لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل بتراكم عوامل:
1. نهاية زمن المناضل وبداية زمن المرشح: في السبعينات والثمانينات، كان الرياض يخدم الحزب كفكرة. اليوم، مع شخصنة العمل السياسي، أصبح يخدم الأشخاص. وعندما يغيب الشخص أو يفقد بريقه الانتخابي، يغيب معه الفضاء.
2. القطيعة الجيلية: الجيل المؤسس الذي كان يعتبر الرياض بيته الثاني، إما رحل أو تقاعد. والجيل الجديد من الاستقلاليين، الذي تربى على المقرات المكيفة والاجتماعات في المقاهي الفاخرة و”الواتساب”، لم يعد يرى في الرياض الخشبي المتواضع بدرب الجديد رمزية، بل يراه عبئا.
3. تغير خريطة باب دكالة الانتخابية: لم تعد معركة الاستقلال في مراكش المدينة معركة إيديولوجية ضد الخصوم التاريخيين، بل أصبحت معركة حسابية مع أحزاب المال والأعمال. والرياض بطبيعته التطوعية لا يستطيع منافسة آلة المال. فكان الحل الأسهل هو الانسحاب بدل المواجهة.
4. من الفضاء الجماعي إلى الملكية الخاصة الرمزية: أخطر ما أصاب الرياض هو تحوله من ملكية معنوية لكل الاستقلاليين بمراكش، إلى فضاء مرتبط بعائلة أو بشخص. عندما يصبح المقر التاريخي “ديال فلان” وليس “ديال الحزب”، فإن باقي المناضلين يغادرون بصمت.
اليوم، رياض الحاج بوبكر للأبد لا يزال قائما بجدرانه وخشبه العتيق في درب الجديد، لكنه صامت. لم يعد يروج للانتخابات، لأنه ببساطة أغلق على نفسه.
إن قصة هذا الرياض هي قصة مصغرة لأزمة حزب الاستقلال في المدن العتيقة: كيف يمكن لتاريخ مجيد أن يتحول إلى مجرد ذكرى إذا لم يتم تجديده وضخ دماء جديدة فيه؟
إعادة فتح أبواب رياض الحاج بوبكر ليست مسألة عقارية، بل هي مسألة سياسية وأخلاقية. إما أن يعود ساحة للجميع كما كان في عهد الدفالي، وإما سيبقى شاهدا خشبيا على زمن كان فيه الحزب يصنع الانتخابات من قلب الدروب، قبل أن تصنعه الانتخابات.