الانتفاضة/ جميلة ناصف
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن المشهد السياسي المغربي دخل عمليا مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية، حيث تتكثف اللقاءات الحزبية، وتتوسع الأنشطة الميدانية، وتتزايد الخرجات والتصريحات والتواصل المباشر والرقمي مع المواطنين. وبينما ينظر البعض إلى هذا الحراك باعتباره ممارسة طبيعية للعمل السياسي واستعدادا مبكرا للاستحقاقات المقبلة، يراه آخرون مؤشرا على تحول الفضاء السياسي إلى ساحة انتخابية مفتوحة قبل انطلاق الموعد القانوني للحملة، بما يطرح أسئلة جدية حول حدود العمل الحزبي المشروع، وحول تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
ولعل الإشكال الحقيقي لا يكمن في أن تتحرك الأحزاب أو تتواصل مع المواطنين، فالحزب السياسي الذي يغيب عن المجتمع ولا يسمع نبض الشارع يفقد تدريجيا جزء من وظيفته الأساسية. كما أن التواصل السياسي لا ينبغي أن يكون نشاطا موسميا يظهر فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع. فالعمل الحزبي يفترض حضورا مستمرا، وتأطيرا سياسيا، وشرحا للمواقف، واقتراحا للبدائل، ومواكبة لانشغالات المواطنين. لكن الفارق كبير بين ممارسة سياسية طبيعية ومستمرة، وبين توظيف هذا النشاط بصورة تجعل منه حملة انتخابية غير معلنة.
وهنا تبرز مسألة الثقة باعتبارها جوهر النقاش. فالمواطن المغربي لا ينظر فقط إلى عدد اللقاءات التي تنظمها الأحزاب، ولا إلى حجم الخطابات التي تنتشر عبر المنصات الرقمية، وإنما يتساءل عن مضمونها، وعن مدى صدقية الوعود التي تقدمها، وعن علاقة الخطاب السياسي بما تحقق فعليا على أرض الواقع. وكلما شعر المواطن بأن الخطاب الحزبي لا يظهر إلا قبيل الانتخابات، وأن القضايا التي تؤرقه تتحول فجأة إلى مادة للدعاية السياسية، كلما ازداد احتمال اتساع المسافة بينه وبين الأحزاب.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه العملية الانتخابية ليس اختلاف البرامج أو حدة التنافس، وإنما فقدان المواطن الثقة في جدوى الاختيار نفسه. فالديمقراطية لا تستقيم فقط بوجود صناديق اقتراع وإجراءات قانونية، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى مواطن مقتنع بأن صوته قادر على إحداث فرق، وأن الأحزاب تتنافس من أجل تقديم حلول حقيقية وليس فقط من أجل الوصول إلى مواقع المسؤولية.
ومن هذه الزاوية، فإن الحملات الانتخابية قبل الأوان قد تتحول إلى عنصر إضافي في أزمة الثقة إذا لم تراع الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي والدعاية الانتخابية. كما أن تكافؤ الفرص يظل أحد الشروط الأساسية لنزاهة المنافسة، لأن السباق الانتخابي لا يمكن أن يكون سليما إذا تمكنت بعض الجهات من الاستفادة مبكرا من إمكانيات التواصل والتنظيم والحضور الإعلامي بشكل يفوق الآخرين.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول الحملة الانتخابية المبكرة إلى ذريعة لتقييد العمل السياسي الطبيعي أو الحد من حق الأحزاب في التواصل مع المواطنين. فالمطلوب ليس إفراغ الحياة السياسية من النقاش والتفاعل، وإنما وضع حد واضح بين النشاط السياسي المشروع وبين الاستعمال الانتخابي المبكر للملفات والقضايا والموارد والفضاءات العامة.
والواقع أن المواطن لم يعد مستعدا بسهولة للانخراط في الخطابات التقليدية. فالمجتمع تغير، ووسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل العلاقة بين السياسي والمواطن، وأصبح بإمكان هذا الأخير أن يقارن بين الوعود السابقة والنتائج المحققة، وأن يتابع تصريحات المسؤولين، وأن يطرح أسئلته مباشرة، وأن يكشف التناقضات بين الخطاب والممارسة. ولذلك فإن أي حزب يعتقد أن كثرة الظهور الإعلامي أو تنظيم التجمعات كافية لضمان التأييد الانتخابي قد يكون مخطئا في قراءة التحولات التي يعرفها المجتمع.
المطلوب اليوم هو أن تتحول المنافسة السياسية إلى منافسة على جودة البرامج، لا إلى سباق على كثافة الحضور. فالمغاربة يريدون إجابات واضحة عن أسئلة أصبحت تمس حياتهم اليومية بصورة مباشرة: كيف يمكن توفير فرص شغل حقيقية للشباب؟ كيف يمكن مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة؟ كيف يمكن تحسين خدمات الصحة والتعليم؟ كيف يمكن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ وكيف يمكن جعل التنمية المحلية أكثر ارتباطا بالحاجيات الفعلية للسكان؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات انتخابية، وإنما إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ، وإلى أحزاب قادرة على تقديم تصور واضح لما ستفعله عندما تصل إلى موقع المسؤولية. كما تحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة السياسية، لأن المواطن أصبح أكثر وعيا بأن حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ليس مسألة سهلة، وأن الوعود غير الواقعية قد تتحول بعد الانتخابات إلى مصدر جديد للإحباط.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تشمل مختلف الفاعلين في العملية الانتخابية، من مؤسسات الدولة والهيئات المشرفة على الانتخابات إلى وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمواطنين أنفسهم. فالإعلام مطالب بالتمييز بين الخبر والدعاية، والمجتمع المدني مطالب بمراقبة النقاش العمومي، والمؤسسات مطالبة بضمان احترام القواعد، بينما يبقى المواطن صاحب الكلمة الفصل عندما يضع ورقته في صندوق الاقتراع.
إن المرحلة التي تسبق انتخابات 2026 ينبغي ألا تكون مجرد موسم للوعود واستعراض القوة التنظيمية، بل فرصة لإعادة بناء الثقة في السياسة. فالمطلوب ليس فقط إقناع المواطن بالتصويت، وإنما إقناعه بأن صوته يستحق أن يمنحه لحزب أو مرشح يملك رؤية واضحة وقدرة على تحمل المسؤولية.
وفي نهاية المطاف، قد تكون الحملة الانتخابية المبكرة أقل خطرا على الديمقراطية من غياب السياسة، لكنها تصبح مقلقة عندما تتحول إلى بديل عن العمل السياسي الحقيقي، أو عندما تجعل من المواطن مجرد هدف دعائي مؤقت. فالأحزاب التي تريد كسب ثقة المغاربة لا تحتاج إلى انتظار موعد الحملة الرسمية حتى تتواصل معهم، لكنها في المقابل مطالبة بأن تثبت طوال الولاية، وليس فقط قبل الانتخابات، أنها تستحق تلك الثقة.
إن انتخابات 2026 لن تكون اختبارا للأحزاب وحدها، بل ستكون أيضا اختبارا لجاذبية السياسة وقدرتها على استعادة المواطن إلى الفعل الديمقراطي. وبين حملة تبدأ في موعدها القانوني وحملة تبدأ قبل أوانها، يبقى الرهان الأكبر هو ألا تبدأ أزمة الثقة قبل أن تبدأ المنافسة الانتخابية نفسها.
في هذا السياق، يبرز تحد آخر لا يقل أهمية عن مسألة الحملة الانتخابية المبكرة، ويتمثل في قدرة الأحزاب على إعادة بناء علاقتها بالمواطن على أساس الوضوح والمصداقية والاستمرارية. فالمطلوب من الفاعل الحزبي اليوم ليس فقط أن يكون حاضرا في المناسبات واللقاءات الانتخابية، وإنما أن يظل قريبا من انشغالات المواطنين طوال الوقت، وأن يحول هذه الانشغالات إلى مقترحات وسياسات قابلة للتنفيذ، مع تقديم حصيلة واضحة عما تحقق وما تعذر إنجازه وأسباب ذلك. فالمواطن لم يعد يكتفي بسماع الوعود، بل أصبح يبحث عن الأرقام والنتائج والالتزامات القابلة للمحاسبة، وهو ما يجعل الاستحقاقات المقبلة مناسبة حقيقية لقياس مدى نضج الممارسة السياسية وقدرة الأحزاب على الانتقال من منطق استقطاب الأصوات إلى منطق تحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام.
التعليقات مغلقة.