الانتفاضة / إلهام أوكادير
يُعدّ “الباراسيتامول” واحدا من أكثر الأدوية شيوعا واستخداما حول العالم بغرض تخفيف الألم وخفض الحرارة، إلا أن سهولة الحصول عليه دون وصفة طبية قد تخفي وراءها مخاطر صحية لا يدركها كثيرون، حيث كشفت دراسة أمريكية حديثة أن هذا “المهدئ” يتصدر قائمة المواد الأكثر ارتباطاً بإصابات الكبد خلال العقود الأخيرة، في وقت سجلت فيه هذه الإصابات ارتفاعاً لافتاً أثار قلق الباحثين!.
الدراسة عينها، والتي أشرف عليها باحثون في ولاية “فرجينيا”، أظهرت أن حالات إصابات الكبد الناتجة عن الأدوية والكحول والمكملات الغذائية والمواد السامة الأخرى، شهدت زيادة كبيرة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2024، ما يعكس اتساع دائرة التعرض لمخاطر، قد تكون في كثير من الأحيان قابلة للتجنب.
وقد اعتمد الباحثون في نتائجهم هذه، على تحليل بيانات ما يقارب 220 ألف حالة إصابة كبدية أُبلغ عنها لدى مراكز مكافحة السموم في الولايات المتحدة، حيث ارتفع معدل الإصابات من 10.9 حالات لكل مليون نسمة سنة 2000، إلى 52.9 حالة لكل مليون بحلول سنة 2024، أي ما يزيد على أربعة أضعاف خلال خمسة وعشرين عاماً.
كذلك، ارتفع العدد السنوي للإصابات من حوالي 2400 حالة في بداية الفترة المدروسة إلى نحو 14500 حالة سنة 2021، بزيادة قاربت 500 في المائة، بينما استدعت أكثر من 80 في المائة من الحالات دخول المستشفى، في حين انتهت حوالي 6 في المائة منها بالوفـ.ـاة، وهو ما يعكس خطورة المضاعفات التي قد تنجم عن بعض حالات التسمم الدوائي.
الباراسيتامول يتصدر قائمة المواد المسببة لإصابات الكبد
بحسب الدراسة، جاء الباراسيتامول، المعروف في الولايات المتحدة باسم “أسيتامينوفين” والمادة الفعالة في دواء “تايلينول”، في صدارة المواد المرتبطة بإصابات الكبد، وقد وربط الباحثون هذا الدواء بنحو 45 في المائة من الحالات المسجلة لدى النساء، و33 في المائة لدى الرجال، ما يجعله الأكثر حضوراً في ملفات إصابات الكبد المرتبطة بالأدوية.
الخطر لا يكمن في الدواء… بل في الجرعة
في هذا الصدد، أكدت الدراسة أن “الباراسيتامول” يظل دواءً آمناً وفعالاً عند الالتزام بالجرعات الموصى بها، غير أن تجاوزها قد يؤدي إلى تراكم المادة داخل خلايا الكبد، مسبباً بذلك تلفاً قد يكون دائماً في بعض الحالات.
وتشمل أبرز أعراض الجرعة الزائدة الغثيان والقيء وآلام البطن والتشوش الذهني واصفرار الجلد والعينين، بينما قد تتطور الحالات الشديدة إلى فشل كبدي يستدعي زراعة الكبد أو قد ينتهي بالوفـ.ـاة.
جرعات زائدة دون قصد
وبخصوص ذلك، سجلت الدراسة تراجعاً نسبياً في الإصابات المرتبطة بالباراسيتامول خلال العقد الثاني من الألفية، بعد تقليص عدد الأدوية المركبة التي تجمعه مع مواد دوائية أخرى، إلا أن المنحنى عاد إلى الارتفاع في السنوات اللاحقة، ويرجع الباحثون جزءاً من هذه الحالات إلى ما وصفوه بـ”الجرعات غير المقصودة”، إذ قد يتناول الشخص “الباراسيتامول” لعلاج الألم، ثم يستخدم دواء آخر للزكام أو الإنفلونزا يحتوي على المادة نفسها، دون الانتباه إلى أنه بذلك يتجاوز الحد الموصى به.
الكحول والمكملات الغذائية ضمن عوامل الخطر
احتل الكحول المرتبة الثانية بين المواد المرتبطة بإصابات الكبد، إذ مثل 19 في المائة من الحالات لدى الرجال و13 في المائة لدى النساء، فيما سجلت الدراسة أيضاً حالات مرتبطة بالمكملات الغذائية والعشبية وبعض السموم البيئية، لكنها ظلت أقل انتشاراً مقارنة بـ “الباراسيتامول” و “الكحول”.كما تم التوصل إلى أن حالات الانتحـ.ـار المشتبه في استخدامها لـ “لباراسيتامول” شكلت السبب الأكثر شيوعاً لإصابات الكبد لدى الجنسين.
ختاما، يُنتظر أن تُنشر نتائج هذه الدراسة في مجلة “أمراض الجهاز الهضمي والكبد السريرية”، حيث دعا الباحثون إلى الالتزام الصارم بتعليمات استعمال الأدوية، وقراءة النشرات المرفقة، وتجنب الجمع بين المستحضرات الدوائية دون التأكد من مكوناتها، حفاظاً على سلامة الكبد وتفادياً لمضاعفات قد تكون مميتـ.ـة في بعض الظروف الصحية.