لماذا لا يزال المغاربة يواجهون الغلاء رغم اقرار تراجع التضخم؟

0

الانتفاضة/ إلهام أوكادير

قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى، والسبب يكمن في ان المؤشرات الاقتصادية تتحدث عن تراجع التضخم واستقرار أكبر في الأسعار، بينما يخرج كثير من المغاربة من الأسواق بانطباع مغاير تمامًا. فبالنسبة لهم، لم يتغير شيء يُذكر؛ فاتورة التسوق ما تزال مرتفعة، وتكاليف المعيشة تواصل استنزاف الدخل الشهري، وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل: إذا كان التضخم قد انخفض بالفعل، فلماذا لا نشعر بذلك في حياتنا اليومية؟

هذا السؤال لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضًا بطريقة فهم مفهوم “التضخم”، فالكثيرون يربطون بين انخفاض التضخم وانخفاض الأثمنة، بينما الواقع الاقتصادي يقول شيئًا مختلفًا.

ببساطة، التضخم لا يقيس ثمن السلع، بل يقيس سرعة ارتفاعها. وعندما تتراجع نسبة التضخم، فهذا يعني أن الأسعار ما تزال ترتفع، لكن بوتيرة أبطأ من السابق، وليس أنها عادت إلى المستويات التي كانت عليها قبل سنوات.

لهذا قد يعلن عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية، في الوقت الذي يظل فيه المستهلك يؤدي المبلغ نفسه، أو أكثر بقليل، عند اقتناء حاجياته اليومية.

ولتقريب الصورة أكثر، تخيل أن سلعة كان ثمنها 100 درهم، ثم ارتفع إلى 120 درهمًا خلال فترة عرفت موجة تضخم قوية، إذا ارتفع ثمنها في السنة التالية إلى 122 درهمًا فقط، فإن التضخم يكون قد انخفض لأن الزيادة أصبحت محدودة، لكن المستهلك سيظل يشتري السلعة بـ122 درهمًا، وليس بـ100 درهم كما كان في السابق، وهنا يكمن الفرق بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار.

ولا يتعلق الأمر بالمواد الغذائية وحدها، فميزانية الأسرة المغربية تتوزع بين النقل، والمحروقات، والسكن، والتعليم، وفواتير الماء والكهرباء، إلى جانب مصاريف أخرى أصبحت بدورها جزءًا من النفقات الشهرية الثابتة، اذ وحتى عندما تنخفض أسعار بعض المنتجات خلال مواسم معينة، فإن أثر ذلك يبقى محدودًا أمام استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة في مجالات أخرى.

هناك أيضًا جانب نفسي لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي. فالأسرة التي اعتادت قبل سنوات على نمط معين من الإنفاق، تجد نفسها اليوم مطالبة بتخصيص مبلغ أكبر للحصول على السلع والخدمات نفسها، فهذه المقارنة اليومية هي التي تشكل إحساس المواطن بالغلاء، وليس النسب المئوية التي تعلنها المؤسسات الاقتصادية.

كما أن متوسط التضخم لا يعكس بالضرورة واقع جميع الأسر، فالعائلة التي يذهب الجزء الأكبر من دخلها إلى الغذاء والنقل ستتأثر بأي زيادة في هذين البندين أكثر من غيرها، بينما قد لا تشعر كثيرًا بانخفاض أسعار منتجات لا تدخل ضمن استهلاكها اليومي، لذلك قد تبدو الأرقام مطمئنة على المستوى الوطني، في حين يظل الشعور بالغلاء حاضرًا لدى فئات واسعة من المواطنين.

لهذا، فإن استعادة القدرة الشرائية لا تتحقق بمجرد تراجع التضخم. ما ينتظره المواطن هو أن ينعكس هذا الاستقرار على دخله أيضًا، وأن تتحسن فرص الشغل، وترتفع الأجور بما يواكب تكاليف المعيشة، وأن تنعكس المنافسة داخل الأسواق على الأسعار التي يؤديها المستهلك في النهاية.

ويبقى السؤال المفتوح الذي يطرح نفسح جليا هو: هل يكفي التحكم في التضخم حتى يستعيد المواطن إحساسه بالاستقرار المعيشي، أم أن الطريق إلى تحسين القدرة الشرائية يمر أيضًا عبر رفع الدخل، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز المنافسة داخل الأسواق ولربما عبر تدابير أخرى؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.