أعداء النجاح… عندما يصبح المغرب هدفًا لمن يخشون صعوده.

0

الانتفاضة/ حبيل رشيد

هناك دول تبني مستقبلها بالحجر والعلم والعمل، وهناك جهات أخرى تنفق الوقت والمال والجهد في محاولة تعطيل نجاح الآخرين. ومن يتأمل ما يتعرض له المغرب خلال السنوات الأخيرة يدرك أن الأمر تجاوز حدود المنافسة الطبيعية بين الدول، ليدخل دائرة الاستهداف المنظم، والحملات المنسقة، والهجمات الإعلامية والرقمية التي تتكرر كلما حقق المغرب إنجازًا جديدًا أو كسب رهانًا إقليميًا أو دوليًا.

لقد أصبح المغرب، بما راكمه من استقرار سياسي، وإصلاحات اقتصادية، ومشاريع استراتيجية كبرى، وحضور دبلوماسي متنامٍ، محط أنظار العالم، وفي الوقت ذاته هدفًا لمن تضيق صدورهم بكل قصة نجاح. فكلما ارتفع سقف الإنجاز المغربي، ارتفعت معه أصوات التشكيك، وتضاعفت محاولات التشويه، وكأن بعض الجهات لا ترى في تقدم المغرب سوى خسارة لمصالحها أو سقوطًا لمشاريعها القديمة.

ولعل ما رافق تنظيم كأس أمم إفريقيا، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، ثم المشاركة المغربية في كأس العالم 2026، يقدم نموذجًا واضحًا لهذا الاستهداف. فقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات حرب رقمية مفتوحة، انتشرت فيها الأخبار الزائفة، والصور المفبركة، والمقاطع المضللة، والإشاعات التي تستهدف المنتخب الوطني، والجماهير المغربية، والمؤسسات الرسمية، بل وحتى الشخصيات العامة. ولم يكن الهدف مجرد إثارة الجدل، وإنما صناعة صورة ذهنية سلبية عن المغرب أمام الرأي العام الدولي.

إن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات، وإنما أصبحت تعتمد على الخوارزميات، والذباب الإلكتروني، والجيوش الرقمية، وغرف العمليات الإعلامية التي تشتغل ليلًا ونهارًا. فالكلمة اليوم قد تهدم ما تبنيه المشاريع، والصورة المفبركة قد تنتشر أسرع من الحقيقة، والإشاعة قد تعبر القارات في دقائق معدودة، لذلك أصبحت المعركة معركة وعي قبل أن تكون معركة مواقف.

ومن الثابت أن المغرب يوجد اليوم في قلب هذا النوع الجديد من الصراعات. فكل تقرير اقتصادي إيجابي يقابله سيل من التعليقات الموجهة، وكل نجاح دبلوماسي ترافقه حملات تشكيك، وكل إنجاز رياضي يواجه بمحاولات التقليل من قيمته أو نسبه إلى الصدفة. إنها سياسة تقوم على إنهاك الخصم نفسيًا وإعلاميًا، حتى يبدو نجاحه وكأنه استثناء عابر، وليس نتيجة عمل طويل ورؤية استراتيجية.

ولا شك أن أخطر ما في هذه الحملات أنها تراهن على المواطن المغربي نفسه. فهي تحاول زرع الإحباط، وبث الشك، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإقناع الناس بأن كل نجاح مجرد دعاية، وأن كل مشروع محكوم عليه بالفشل. إنها تستهدف العقل قبل الخبر، والوجدان قبل المعلومة، والثقة قبل الوقائع، لأن إسقاط معنويات الشعوب أقل كلفة من مواجهتها ميدانيًا.

كما أن هذه الحملات لا تنطلق غالبًا من فراغ، وإنما تستثمر في كل أزمة، وكل خطأ، وكل حادث عرضي، فتضخمه وتعيد إنتاجه آلاف المرات، حتى يتحول إلى حقيقة في أذهان المتابعين. وهنا تكمن خطورة الإعلام الرقمي، إذ لم يعد الجمهور يميز بسهولة بين الخبر المهني والمحتوى الموجه، وبين التحليل الرصين والدعاية السوداء، وبين النقد البناء والحرب النفسية.

ومن المؤكد أن للمغرب خصومًا سياسيين واستراتيجيين، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، غير أن غير الطبيعي هو الانتقال من المنافسة المشروعة إلى صناعة الأكاذيب، وتوظيف التكنولوجيا في نشر الكراهية، وتمويل صفحات إلكترونية لا هم لها سوى مهاجمة كل ما هو مغربي، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد، أو السياحة، أو الرياضة، أو الثقافة، أو حتى القضايا الإنسانية.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الصاعدة تكون دائمًا أكثر عرضة للاستهداف. فكل دولة تحقق نفوذًا جديدًا تصبح تحت مجهر المنافسين، وكل نجاح اقتصادي يخلق منزعجين، وكل حضور دبلوماسي يثير حسابات جديدة. والمغرب اليوم يعيش هذه المرحلة بكل تفاصيلها، بعدما تحول إلى فاعل إقليمي يحظى باحترام متزايد في إفريقيا والعالم العربي والفضاء المتوسطي.

غير أن مواجهة هذه الحملات لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء منظومة إعلامية قوية، قادرة على إنتاج المعلومة بسرعة واحترافية، والرد بالحجة والوثيقة، والاستثمار في الإعلام الرقمي، وتكوين جيل جديد من الصحفيين والمتخصصين في الأمن السيبراني والاتصال الاستراتيجي. فالحقيقة التي تصل متأخرة قد تفقد كثيرًا من تأثيرها أمام إشاعة انتشرت في اللحظات الأولى.

كما أن المجتمع بدوره يتحمل جزءًا من المسؤولية. فالمواطن الذي يشارك خبرًا مجهول المصدر، أو يعيد نشر إشاعة دون تحقق، قد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى أداة مجانية في خدمة من يستهدف بلده. لذلك أصبحت ثقافة التحقق من الأخبار، والتثبت من المصادر، والتعامل النقدي مع المحتوى الرقمي، جزءًا من الأمن الوطني، وليست مجرد سلوك فردي.

وتبقى الجالية المغربية في الخارج إحدى أهم القوى القادرة على مواجهة الصورة المغلوطة، من خلال نقل الواقع كما هو، والدفاع عن الحقائق بلغات متعددة، وتصحيح المغالطات داخل المجتمعات التي تعيش فيها. فالمعركة الإعلامية اليوم عابرة للحدود، ولا تعترف بالجغرافيا، وإنما تتحرك حيث يوجد الهاتف الذكي والمنصة الرقمية.

لقد علمتنا التجارب أن الدول الواثقة من نفسها لا ترتبك أمام حملات التشويه، وإنما تحولها إلى فرصة لتقوية مؤسساتها، وتطوير أدواتها، وتعزيز مناعتها الإعلامية. والمغرب، الذي واجه خلال العقود الماضية تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، يمتلك من الخبرة ما يجعله قادرًا على التكيف مع هذا النوع الجديد من الصراعات، شريطة أن يتحول الوعي المجتمعي إلى خط الدفاع الأول.

وفي النهاية، فإن الذين يستهدفون المغرب قد ينجحون في صناعة ضجيج مؤقت، وقد يملؤون الفضاء الرقمي بالإشاعات، وقد يحاولون تشويه صورة بلد صنع مكانته بالعمل المتواصل، غير أن التاريخ يثبت دائمًا أن الضجيج يذوب، بينما تبقى الحقائق راسخة. فالأوطان لا تُقاس بما يقال عنها في منصات التواصل، وإنما بما تنجزه على أرض الواقع، وبما تبنيه من مؤسسات، وما تحققه من استقرار، وما تتركه من أثر في محيطها الإقليمي والدولي. وكلما واصل المغرب طريقه بثبات، ازداد يقين خصومه بأن معركة التشويه، مهما اتسعت أدواتها، تعجز عن إيقاف وطن اختار أن يكون مشروعًا للمستقبل، لا أسيرًا لصراعات الماضي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.