الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في زمنٍ ليس ببعيد، كانت أزقّة قلعة السراغنة تتعالى فيها الزغاريت إيذاناً بقدوم “الحجام” الذي يُعدّ في تلك اللحظة ضيفَ شرفٍ لا يُضاهى. كان الطفل المرتقب ختانه محطّ أنظار الجميع، والعائلة بأكملها تحتشد تحت سقف واحد لتشهد طقساً يتجاوز بُعده الديني إلى كونه محطةً اجتماعية فارقة، تخلّد انتقال الصغير من مرحلة الطفولة المبكرة إلى سِنِّ النماء والتكليف. غير أن هذه الصورة التراثية النابضة بالحياة، سرعان ما انحسرت تدريجياً أمام رياح التغيير، لتحلّ مكانها زيارةٌ هادئة إلى عيادات الأطباء، حيث يُختصر الحفل الطويل في دقائق معدودة، وتُطوى الفرحة الجماعية بين جدرانٍ بيضاء باردة.
لم تكن عملية الختان في الماضي مجرد تدخّلٍ صحّي أو شعيرة دينية جامدة، بل كانت مناسبةً تتحوّل إلى “عرسٍ صغير” تُذبح فيه الأضاحي، وتُوزّع الحلوى، وتتناقل النساء الزغاريت كرسالة فرحٍ تُسمع الجيران والأقارب على حدّ سواء. وكان “الحجام” الذي يؤدّي المهمة، غالباً ما يكون شخصيةً معروفة في المنطقة، يمتلك خبرةً موروثة من آبائه وأجداده، ويُستقبل في البيت كما يُستقبل كبار الزوّار، احتراماً لدوره المحوري في إتمام هذه الشعيرة التي تُمثل علامةً فارقة في حياة الطفل وأسرته.
لكن مع تعاقب الأجيال وتغيّر أنماط العيش، بدأ هذا المشهد الجميل يفقد بريقه تدريجياً. فالعائلات التي كانت تجتمع بكامل أفرادها في دارٍ واحدة، أصبحت اليوم مشتّتة بين المدن والقرى، وانشغل الناس بتفاصيل الحياة العصرية التي لم تعد تترك متّسعاً لتلك التجمّعات الطويلة. كما أن التوجّه نحو المدن الكبرى، والتأثر بالثقافات الوافدة، جعل الكثيرين ينظرون إلى الممارسات التقليدية بعيون مختلفة، باتت تفضّل السرعة والاختصار على حساب التفاصيل الاحتفالية التي كانت تميّز الماضي.
على صعيد آخر، شهدت المنطقة تحولاً تدريجياً في طريقة أداء الختان نفسه، حيث بدأت الأسر تفضّل الذهاب إلى المصحات والعيادات التي تقدّم الخدمة في ظلّ شروط صحّية منظّمة، بعيداً عن الأدوات التقليدية التي كانت تستخدم في البيوت. وبينما كان “الحجام” في السابق يؤدّي مهامه بـ “مقراض” خاصّ يُورث عبر الأجيال، أصبح اليوم الأطباء يستعملون تقنيات حديثة تضمن دقّة أكبر وسرعة في الإنجاز، وهو ما استجاب لرغبة جيل جديد يبحث عن الأمان والفعالية في كلّ شيء.
ولا يخلو هذا التحوّل من دلالات اجتماعية عميقة؛ فالانتقال من ختان البيت إلى ختان العيادة لم يكن مجرد تغيير في الموقع، بل يمثّل تحولاً في مفهوم “الفرحة” ذاتها. ففي الماضي، كانت المناسبة جماعيةً بامتياز، تتكافل فيها العائلة وتتضامن، وتُعبّر عن فرحتها بصوتٍ عالٍ يملأ الفضاء. أما اليوم، فأصبحت أكثر خصوصية، وأقلّ ضجيجاً، وكأنّ العائلة تختار أن تعيش فرحتها في دائرة أضيق، محتفظةً بجوهر الحدث لكنها متخلية عن حُلة التقاليد التي كانت تلبسه.
ختاماً، يظلّ ختان “الحجام” في قلعة السراغنة واحداً من تلك الموروثات الجميلة التي سرعان ما التهمتها التحولات الاجتماعية والصحية للعصر. وإن كانت العيادات قد حلّت محلّ البيوت، والطبيب محلّ الحجام، فإنّ الزغاريت التي كانت تملأ الأرجاء بقيت حبيسة الذاكرة، تذكّرنا بأنّ التقاليد ليست ثابتةً، بل كائنات حيّة تتغيّر وتتبدّل، تحافظ على جوهرها لكنها تغيّر شكلها لتواكب روح العصر، دون أن تفقد بريقها في قلوب من عاشوها وشهدوا عليها.