الإنتفاضة // الصويرة
كلما أسدل الستار على دورة جديدة من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، عاد النقاش إلى الواجهة بين مؤيد ومنتقد، وهو أمر طبيعي بالنسبة لتظاهرة ثقافية دولية بلغت من العمر قرابة ثلاثة عقود، غير أن ما يغيب عن كثيرين هو قراءة المسار الكامل للمهرجان، لا الاكتفاء بالحكم على لحظته الراهنة.
فالمهرجان لم يولد وهو يحمل صفة العالمية، ولم يكن في بداياته يحظى بالإجماع أو بالدعم المحلي الواسع، بل انطلقت تجربته في ظروف صعبة، وسط تحديات مالية ولوجستية، وفي وقت لم يكن كثيرون يؤمنون بإمكانية أن تتحول الصويرة إلى وجهة ثقافية دولية تستقطب عشرات الآلاف من الزوار والفنانين والإعلاميين من مختلف أنحاء العالم.
ومع مرور السنوات، وبفضل الاستمرارية والعمل المتواصل، أصبح المهرجان أحد أبرز التظاهرات الثقافية بالمغرب، وساهم في التعريف بمدينة الصويرة عالمياً، حتى بات اسم المدينة يقترن في العديد من المحافل الدولية بمهرجان كناوة وموسيقى العالم.
اليوم، ترتفع أصوات تتحدث عن الإقصاء، خاصة فيما يتعلق بالشباب أو بعض أبناء المدينة، وهو نقاش مشروع إذا استند إلى معطيات دقيقة، لكنه يطرح في المقابل أسئلة تستحق بدورها التأمل.
فهل سبق أن طُرح بنفس القدر من الجدية موضوع إقصاء الساكنة من تظاهرات أخرى تُنظم داخل المدينة في فضاءات مغلقة، لا يستطيع ولوجها إلا المدعوون أو أصحاب الدعوات الخاصة؟ وهل أثير النقاش نفسه حول مهرجانات تقام أكثر من مرة في السنة، ولا يشارك فيها فنانون محليون إلا بشكل محدود، أو لا تفتح أبوابها أمام عموم المواطنين؟
إن الصويرة مدينة تفتقر إلى فضاءات الترفيه الكبرى، ولذلك يشكل مهرجان كناوة بالنسبة لعدد كبير من الأسر مناسبة ثقافية وفنية مفتوحة يعيشها الجميع في الساحات والأزقة والفضاءات العمومية، وهو ما يميز هذه التظاهرة عن غيرها من الفعاليات المغلقة.
وفي خضم الانتقادات، يبرز سؤال آخر: أين كان الذين يتحدثون اليوم عن المهرجان خلال سنواته الأولى؟ وهل ساهموا في دعمه عندما كان مشروعاً ناشئاً يواجه صعوبات حقيقية، أم أن الاهتمام به بدأ فقط بعد أن تحول إلى علامة ثقافية عالمية؟
لا يمكن إنكار أن نجاح أي مشروع كبير يجذب المؤيدين كما يجذب المنتقدين، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن طريقه مفروشاً بالورود، بل تحقق بفضل رؤية واضحة، وتراكم طويل، وجهود أشخاص آمنوا بالمشروع وحافظوا على استمراريته رغم مختلف الإكراهات.
ومن جهة أخرى، فإن الثقافة والإبداع لا يمكن اختزالهما في الانتماء الجغرافي، فالمهرجان بحكم طبيعته العالمية، يجمع بين المحلي والوطني والدولي، ويظل من حق كل فنان يمتلك الكفاءة أن يجد مكانه فيه، كما يبقى من حق أبناء المدينة أن يطمحوا إلى حضور أكبر، شريطة أن يكون ذلك في إطار رؤية فنية وتنظيمية واضحة، بعيداً عن منطق الامتياز أو الاحتكار.
لقد أثبتت تجربة مهرجان كناوة وموسيقى العالم أن النجاح يحتاج إلى الصبر والاستمرارية أكثر مما يحتاج إلى الشعارات، كما أثبتت أن المشاريع الثقافية الكبرى لا تُبنى بالخطابات، وإنما بالعمل اليومي، وبالقدرة على حماية الفكرة حتى تكبر وتصبح ملكاً للوطن، لا ملكاً للأشخاص.
ويبقى الاختلاف في تقييم المهرجان أمراً مشروعاً، لكن من الإنصاف أيضاً أن يُقاس بما حققه من إشعاع ثقافي وسياحي واقتصادي، وأن يُناقش بروح المسؤولية، بعيداً عن تصفية الحسابات الشخصية أو اختزال تجربة قاربت ثلاثين سنة في مواقف ظرفية أو خلافات عابرة.