الانتفاضة/ بقلم: الدكتور خالد الفطاوي (محام وخبير في العلاقات الدولية)
تمر مهنة المحاماة في المغرب بمرحلة دقيقة تستوجب من الجميع التحلي بالحكمة، والابتعاد عن كل خطاب قد يؤدي إلى تعميق الأزمة أو المساس بثقة المواطن في العدالة. فالمحاماة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة إنسانية ودستورية، وجزء أساسي من منظومة العدالة، واستقلالها يشكل ضمانة لحقوق الأفراد وحرياتهم، كما يشكل مصدر فخر للدولة المغربية التي جعلت من بناء دولة الحق والقانون خياراً استراتيجياً.
إن استقلال المحامي ليس امتيازاً يمنح لفئة مهنية، وإنما هو حق للمواطن قبل أن يكون حقاً للمحامي، لأن المتقاضي يحتاج إلى دفاع حر ومستقل، لا يخضع لأي ضغط أو تأثير. لذلك فإن قوة المحاماة واستقلالها يساهمان في تحقيق التوازن بين مختلف المؤسسات، ويعززان ثقة المستثمر والمواطن والشركاء الدوليين في عدالة بلادنا.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن استقلال المهنة يجب أن يظل منسجماً مع رسالة المحاماة الإنسانية. فالإضراب حق مشروع تكفله المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية، لكنه ينبغي أن يمارس بطريقة لا تؤدي إلى الإضرار بحقوق المتقاضين، خاصة أولئك الذين ينتظرون جلسة قد ترتبط بحريتهم أو بحقوقهم الأسرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
إن مصلحة المتقاضي يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، لأن المحامي وجد أساساً للدفاع عن حقوق الناس، وليس لتعطيل وصولهم إلى العدالة. فالمرفق القضائي مرفق عمومي يخدم المجتمع بأكمله، والحفاظ على استمراريته مسؤولية جماعية يتحملها جميع الفاعلين.
وفي مثل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى تدخل الحكماء من أبناء المهنة، وفي مقدمتهم النقباء السابقون، لما راكموه من تجربة واحترام داخل الأسرة المهنية. فهم الأقدر على تقريب وجهات النظر، وإحياء ثقافة الحوار، وتقديم مبادرات مسؤولة تحفظ كرامة المحاماة وتصون مصالح المواطنين في آن واحد.
كما أن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق مختلف المؤسسات والفاعلين السياسيين، لأن الخلافات السياسية عابرة، أما المحاماة فهي مؤسسة راسخة ذات بعد وطني ودولي، ورسالتها تتجاوز حدود الزمن والأشخاص. فالسياسيون يتغيرون، أما رسالة الدفاع فتبقى مرتبطة بالقيم الكونية للعدالة وحقوق الإنسان.
إن المرحلة الحالية ليست مناسبة للتصعيد أو للتخندق، بل هي فرصة لإطلاق حوار مسؤول يوازن بين الإصلاح التشريعي المشروع، وبين الحفاظ على المكتسبات التاريخية للمهنة. فالإصلاح الحقيقي لا ينجح إلا عندما يكون نتيجة التشاور والثقة المتبادلة والاحترام المتبادل.
وإيماناً منا بمؤسسات الدولة، فإن الحكمة والتوافق يظلان السبيل الأمثل لتجاوز هذه المرحلة، بما يحفظ هيبة العدالة، ويصون استقلال المحاماة، ويضمن استمرار المرفق القضائي، ويؤكد أن المغرب قادر دائماً على تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح والبناء.
إن المحاماة المغربية كانت وستظل مدرسة في الدفاع عن الحقوق والحريات، وشريكاً أساسياً في بناء دولة المؤسسات. وحماية هذا الرصيد التاريخي مسؤولية مشتركة، عنوانها الحوار، واحترام القانون، وتقديم مصلحة الوطن والمتقاضي فوق كل اعتبار.