حين تتحول البيانات الإستنكارية إلى أحكام جاهزة

0

الانتفاضة / شاكر ولد الحومة

أثار البيان الأخير الصادر باسم المنظمة المغربية الوطنية للدفاع عن الوحدة الترابية بشأن ما اعتبره استهدافاً للمستشار “حبيبو” عبر تدوينات وصفها بالعنصرية والتحريضية، مجموعة من التساؤلات المشروعة المرتبطة بمنهجية إصدار مثل هذه البيانات ومدى احترامها لقواعد الموضوعية والحياد التي يفترض أن تؤطر عمل الهيئات المدنية والجمعوية.

ولا خلاف بين اثنين على أن العنصرية والتمييز والكراهية ممارسات مرفوضة أخلاقياً وقانونياً، وأن التصدي لها واجب مجتمعي ومؤسساتي، غير أن محاربة العنصرية لا يمكن أن تتم عبر تبني مقاربة تفتقد بدورها إلى أبسط شروط الإنصاف والموضوعية، لأن الدفاع عن الحقوق لا يكون بإصدار الأحكام المسبقة، وإنما بالاحتكام إلى الوقائع والقانون.

وأول ما يلفت الانتباه في هذا البيان أنه تحدث بإسهاب عن خمس تدوينات وصفها بأنها تحريضية وعنصرية، لكنه لم يقدم للرأي العام مضمون هذه التدوينات أو يعرضها كاملة أو حتى مقتطفات منها حتى يتمكن المواطنون والمتابعون من تكوين رأي مستقل بشأنها. فحين يطلب من الرأي العام أن يقتنع بخطورة تدوينات معينة، فإن أبسط مقتضيات الشفافية تقتضي عرض تلك التدوينات وترك الناس يطلعون عليها ويحكمون بأنفسهم.

أما الاكتفاء بإطلاق أوصاف جاهزة من قبيل “العنصرية” و”التحريض على الكراهية” و”التمييز اللوني”، دون تمكين الجمهور من الاطلاع على المادة موضوع الاتهام، فإنه يحول البيان من وثيقة توضيحية إلى مجرد موقف انفعالي يسعى إلى توجيه الرأي العام نحو استنتاج محدد مسبقاً.

ومن الملاحظ أيضاً أن صاحب البيان انتقل مباشرة من موقع المندد إلى موقع القاضي، حيث قدم توصيفاً قطعياً للوقائع وأصدر أحكاماً نهائية بشأنها، في الوقت الذي طالب فيه الجهات القضائية بالتدخل، وهنا يطرح سؤال منطقي: إذا كانت القضية تستوجب تحقيقاً قضائياً، فكيف تم الحسم مسبقاً في طبيعة الأفعال ومرتكبيها قبل مباشرة أي بحث أو استماع أو تحقيق؟

إن احترام دولة المؤسسات يقتضي الإيمان بقرينة البراءة وبحق الجميع في الدفاع عن أنفسهم، كما يقتضي ترك سلطة التكييف القانوني للقضاء وحده، لا للبيانات أو المواقف المسبقة.

كما أن رئيس منظمة وطنية يفترض فيه، بحكم موقعه الاعتباري، أن يحرص على الاستماع إلى جميع الأطراف قبل إعلان موقف نهائي، فالموضوعية تفرض التساؤل عما إذا كانت المنظمة قد تواصلت مع الطرف الثاني أو استمعت إلى وجهة نظره أو طلبت توضيحاته قبل إصدار بيان يحمل كل هذا القدر من الإدانة والاتهام، ذلك أن دور المؤسسات المدنية ليس الانخراط في الخصومات، بل المساهمة في إظهار الحقيقة والدفاع عن قيم العدالة والإنصاف.

ومن زاوية أخرى، فإن البيان أعلن تضامناً مطلقاً ولا مشروطاً مع أحد الأطراف، وهو ما يجعله عملياً طرفاً في النزاع بدل أن يبقى في موقع المراقب الموضوعي والمدافع عن المبادئ العامة، فالتضامن حق مشروع، لكن حين يقترن بإصدار أحكام قطعية وبتبني رواية واحدة دون غيرها، فإنه يفقد الكثير من شروط الحياد المطلوبة في العمل المدني.

ومن المفارقات اللافتة أيضاً أن البيان ورد في نهايته تحت عبارة “عن المكتب التنفيذي للمنظمة”، بما يوحي بأن الأمر يتعلق بموقف جماعي صادر عن مؤسسة بكامل أجهزتها، بينما تم توقيعه باسم الرئيس العام فقط. وهو ما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كان المكتب التنفيذي قد اجتمع فعلاً واتخذ هذا الموقف وفق المساطر التنظيمية المعمول بها، أم أن الأمر يتعلق بموقف فردي تم تقديمه للرأي العام باعتباره موقفاً جماعياً للمؤسسة.

إن مواجهة العنصرية والكراهية مسؤولية جماعية لا خلاف حولها، لكن هذه المواجهة تفقد مشروعيتها الأخلاقية حين تعتمد على الأحكام الجاهزة بدل الوقائع، وعلى الانحياز المسبق بدل التحري الموضوعي، وعلى الإدانة الإعلامية بدل الاحتكام إلى المؤسسات المختصة.

وكان الأجدر بالبيان أن ينشر التدوينات التي استند إليها، وأن يضعها أمام الرأي العام بكل شفافية، وأن يترك للمواطنين وللقضاء حق التقييم والتقدير، بدل أن يتولى بنفسه دور المشتكي والشاهد والقاضي في آن واحد.

ففي دولة المؤسسات، لا تنتصر العدالة بالانفعال، بل بالحقيقة، ولا تُحمى الحقوق بالأحكام المسبقة، بل باحترام القانون وحق الجميع في عرض وجهة نظره والدفاع عنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.