الإنتفاضة / محمد السعيد مازغ
ما إن تناهى إلى الأسماع خبر ضبطه داخل قاعة الامتحان، في واقعة ما تزال تفاصيلها الحقيقية في انتظار التأكيد الرسمي، حتى استلّ كثيرون سكاكين الشماتة، وتهيؤوا لتقطيع سمعته إرباً إرباً، وكأنهم كانوا يترصدون هذه اللحظة منذ زمن، وأصابعهم معلقة على الزناد في انتظار فرصة لإطلاق أحكامهم دون تردد.
فالشاب، بما عُرف عنه من جرأة في تناول ملفات حساسة وإثارة قضايا يعتبرها من أوجه الاختلال والفساد، لم يكن يحظى دائماً برضا الجميع. لقد أقلقت تصريحاته البعض، وأزعجت مواقفه آخرين، لذلك بدا وكأن بعض خصومه وجدوا في هذا الخبر فرصة طال انتظارها لتصفية حسابات مؤجلة، قبل أن تتضح حقيقة ما جرى وقبل أن تقول الوقائع كلمتها الأخيرة.
وفي خضم هذا التهافت على الإدانة، يغيب صوت العقل الذي يقتضي التريث واحترام قرينة البراءة، وانتظار ما ستسفر عنه المعطيات المؤكدة، بعيداً عن الأحكام المسبقة وحملات التشهير التي قد تتحول هي الأخرى إلى ظلم لا يقل خطورة عن الفعل المنسوب إلى صاحبه إن ثبت وقوعه.
وخارج هذا السجال، تبقى ظاهرة الغش نفسها جديرة بنقاش أعمق من مجرد تتبع الحالات الفردية. فقد أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن ضبط آلاف حالات الغش خلال الامتحانات، وهو رقم يدعو إلى التأمل في الأسباب قبل الاكتفاء بإحصاء النتائج. فمواجهة الغش لا تكون فقط بالمراقبة والزجر، بل أيضاً ببناء الثقة بالنفس، وترسيخ قيم الاستحقاق، وتعزيز الشعور بالإنصاف والأمان داخل المجتمع. ذلك أن المجتمعات التي يتسع فيها التطبيع مع التحايل في مجالات متعددة، يصعب أن تعالج الظاهرة بالعقوبات وحدها، ما لم تُعالج جذورها الثقافية والتربوية والأخلاقية.