الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
ليس مجرد قارب عابر في صورة، بل هو حكاية تتقن صنعها الألم والأمل معًا. حين توقف المشهد على مركب صيد بسيط راسيًا على مياه سد المسيرة بقلعة السراغنة، لم تكن العدسة توثّق وسيلة نقل أو أداة صيد، بل كانت ترسم لوحة لفقرٍ كريم، وجسدٍ لا يعرف الكلل، وإرادة تصنع من الخشب الطافي معجزة البقاء.
على متن ذاك القارب الصغير، تتسع الدنيا بأسرها. هناك يجلس صياد لا يملك سوى حباله المهترئة ويقينه الراسخ بأن الرزق يأتي من حيث لا تحتسب الأسباب. مياه السد الهادئة لا تعكس فقط زرقة السماء، بل تعكس أيضًا سنوات من التعب المختزن في عيون رجال لا يعرفون الاستسلام. كل صباح، وقبل أن يفيق النهار، يكون الصياد قد قطع وعدًا جديدًا مع الحياة: سأجدف ولن أغرق.
ما يميّز هؤلاء الرجال ليس مهارتهم في الصيد فحسب، بل قدرتهم على انتظار الفرج بسكينة لا تعلّمها المدارس. إنهم يعرفون أن البحر ليس شرطًا لقسوة الرزق؛ فالماء أينما وُجد يصير بحرًا حين ترتطم به أحلام الفقراء. يتسلحون بالتوكل على الخالق قبل الشباك، وبالصبر قبل الطُعم، وبالقناعة قبل الغنيمة. إنهم يعلّموننا أن الكرامة لا تُقاس بحجم الصيد، بل بحجم الأمل الذي لا يغادر القلب مهما طال الانتظار.
وراء كل سمكة تصل إلى مائدة مغربية، هناك قصة لا تُروى. هناك ساعات من الانتظار تحت شمس حارقة أو برد قارس، وهناك ليالٍ بيضاء قضاها الأب ساهرًا على أمل أن يعود إلى أسرته بحلم لا يخيب. القارب الخشبي الذي يبدو عاديًا في الصورة، يشكّل في حياة أصحابه خطًا فاصلًا بين الجوع والشبع، بين العوز والكرامة، بين أن تكون عالة على الناس وأن تمنح أطفالك لقمة يسعى خلفها تعبك أنت لا منّة أحد.
في زمن تُقاس فيه الأشياء بقيمتها المادية، يظل قارب الصيد هذا دروسًا متجولة في معاني العيش الحلال. كل مجذاف يحركه هؤلاء الرجال يكتب سطرًا في ملحمة صامتة لا تخلو من جمال قاس. نسأل الله أن ييسر أمرهم، ويبارك لهم في قوتهم، ويجعل من مياه سد المسيرة نعمةً لا نقمة، ورحمةً لا بلاء. فليس كل من ركب البحر بحارًا، لكن كل من ركب القارب على أمل… هو بطل يستحق أن تروى حكايته.