التسول في شوارعنا: بين الحاجة والاستغلال… حين تختلط الرحمة بالحذر

الوجه الخفي للتسول: أطفال مستغلون وأرباح بلا ضمير

الانتفاضة

بقلم  :  //  محمد السعيد مازغ  //

  أينما ولّيت وجهك، يطلّ عليك متسوّل؛ كأن الشارع تحوّل إلى مرآةٍ كاشفة لوجهٍ آخر، لا تُخفي ملامحه واجهات حديثة ولا مساحيق التجميل. لم تعد الظاهرة طارئة أو معزولة، بل واقعًا يوميًا يتمدّد في الأزقة والمقاهي ومفترقات الطرق، وأمام المساجد، بل وداخلها أحيانًا.
أساليب التسوّل لم تعد بريئة في كثير من الحالات؛ أطفال ورضّع لاستدرار الشفقة، ادعاءات مرض وإعاقة، وصفات طبية وفواتير تُعرض كأدلة، وإشارات مرور تحوّلت إلى نقاط “دخل” قارة. أصوات تناشد ذوي الأريحية بتقديم المساعدة لرب أسرة أو مريض بمرض مزمن .. وفي خضم هذا المشهد، يتلاشى الحد الفاصل بين الحاجة الحقيقية والاستغلال المنظّم، فتختلط مشاعر الرحمة بالحذر، ويتحوّل التسول—في بعض صوره—إلى “حرفة” قائمة على التمثيل وقوة التأثير.
الأخطر أن بعض الممارسين قادرون على العمل، لكنهم يفضّلون الطريق الأسهل، ما يضرب في العمق قيمة الاجتهاد، ويقوّض ثقة المجتمع، ويشوّش مفهوم التكافل القائم على الإنصاف لا الاستغلال.
ولا تقف التداعيات عند هذا الحد؛ فصورة المدينة تتأثر في أعين زوّارها، كما تتثقل يوميات المواطنين بممارسات مزعجة قد تصل إلى الإلحاح المفرط أو الابتزاز، خاصة مع منتحلي صفات كـ“حراس السيارات” أو “المرشدين”.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشكوى أو التذمّر، بل بإجراءات مسؤولة وفعّالة: حزمٌ في تطبيق القوانين لردع التسول المنظّم، بالتوازي مع سياسات اجتماعية تضمن الكرامة وتوفّر بدائل العيش للفئات الهشّة.
المدينة بحاجة إلى نظام يحمي كرامة المحتاج، ويغلق منافذ الاستغلال. ولن يتحقق ذلك إلا بتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع. ولعلّ أبلغ ما يُختتم به هذا المعنى قول النبي ﷺ:
“ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”.

التعليقات مغلقة.