الشباب في التاريخ الإسلامي: إنجازات مبكرة تتحدى مفهوم “مرحلة الانتظار”

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في زمن بات فيه مصطلح “المراهقة” جزءاً من الخطاب التربوي والنفسي العالمي، يثير الباحثون في التاريخ الإسلامي سؤالاً مشروعاً: هل هذه المرحلة حتمية ثابتة بخصائصها المعروفة من تردد وتمرد، أم أنها نتاج ثقافي ونمط تربوي يختلف باختلاف المجتمعات؟ استعراض سير أعلام الأمة الإسلامية يقدم إجابات مثيرة للتفكير، خاصة عندما نلاحظ أن مصطلح “المراهقة” غير وارد في القرآن الكريم أو السنة النبوية. هذا الغياب لا يعني نفي التغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تطرأ على الشاب، ولكنه يشير إلى اختلاف جوهري في النظرة التربوية التي تركز على الاستعداد الفردي والتأهيل، وليس على عمر زمني جامد.

عندما نقرأ سيرة الصحابة الكرام، نكتشف أن كثيراً منهم تحمل مسؤوليات كبرى وأعمارهم لم تتجاوز سن المراهقة بحسب مفاهيمنا الحديثة. فأسامة بن زيد، على سبيل المثال، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش فيه كبار الصحابة مثل أبي بكر وعمر، وكان عمره ثمانية عشر عاماً، مما يظهر أن القيادة مرتبطة بالكفاءة والإعداد وليس بالسن فقط. كذلك كان سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أول من رمى بسهم في سبيل الله وعمره سبعة عشر عاماً، بينما برز طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام في غزواتهم المبكرة وأظهرا بطولات جعلتهما من كبار الصحابة، رغم أن عمرهما كان في السادسة عشرة والخامسة عشرة على التوالي. أما زيد بن ثابت، فتعلم السريانية والعبرية في سبعة عشر يوماً بأمر من النبي ليصبح ترجمانه، وكان عمره ثلاثة عشر عاماً عندما بدأ كتابة الوحي.

لم تقتصر الريادة المبكرة على العصر النبوي، بل امتدت إلى القادة والفاتحين. فمحمد بن القاسم الثقفي فتح بلاد السند وعمره سبعة عشر عاماً، ومحمد الفاتح العثماني فتح القسطنطينية التي أخفق أمامها كبار القادة لقرون وكان عمره اثنتين وعشرين سنة، وعبد الرحمن الناصر الأموي جعل الأندلس أقوى دولة في أوروبا وعمره إحدى وعشرين سنة. وفي المجال العلمي، نجد الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة وصاحب أحد أشهر المذاهب الفقهية، قد جلس للفتوى وعمره سبعة عشر عاماً، لكنه لم يفعل ذلك حتى شهد له سبعون عالماً من علماء المدينة بالكفاءة والأهلية.

تحمل هذه النماذج التاريخية دروساً مهمة للمربين والمهتمين بشؤون الشباب، أبرزها أن القدرة على الإنجاز والمسؤولية لا ترتبط بعمر زمني محدد بقدر ما ترتبط بنوعية التربية والإعداد النفسي والعلمي والعملي. كما أن تعويد الشباب على تحمل المسؤولية منذ الصغر ينمي ثقتهم بأنفسهم ويصقل مهاراتهم القيادية، والثقة التي يمنحها المجتمع للشاب قادرة على صنع منه قائداً ملهماً. لا يهدف هذا العرض التاريخي إلى نفي أو تجاوز النظريات العلمية الحديثة حول مرحلة المراهقة، فهذه النظريات تستند إلى أبحاث معتبرة في سياقاتها الثقافية والاجتماعية، لكنه يدعو إلى نظرة متوازنة تأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي وقوة تأثير التربية والبيئة. فالشباب المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى قدوات تثبت لهم أن أعمارهم ليست عائقاً أمام العطاء والتميز، وأن الاستثمار في الإيمان والعلم والمسؤولية المبكرة هو الطريق الأقرب لصناعة جيل قادر على حمل رسالة أمته إلى المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.