ملايين اليوروهات المختلسة من التأمين الصحي في صلب تحقيق قضائي فرنسي

0

الانتفاضة // عبد الوافي العلام

منذ أيام قليلة، سلط تحقيق قضائي فرنسي حديث، الضوء على واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المنظم في قطاع النقل الصحي (transport sanitaire) خلال السنوات الأخيرة، حيث يُشتبه في اختلاس ما بين 4 و9 ملايين يورو من أموال التأمين الصحي الفرنسي (Assurance maladie) خلال فترة لم تتجاوز سنة واحدة فقط.

وفقاً لمعطيات التحقيق الذي أشرف عليه المكتب المركزي لمكافحة العمل غير القانوني (OCLTI)، شكلت الشبكة الإجرامية نظاماً محكماً يعتمد على إصدار وصفات طبية وفواتير مزيفة لرحلات نقل صحي وهمية لم تُنفذ أبداً على أرض الواقع.

استغل أفراد الشبكة بيانات مرضى حقيقيين لإضفاء الشرعية على هذه العمليات، وسجلوا مئات الآلاف من الكيلومترات الوهمية، ليطالب سائقو سيارات الأجرة بتعويضات من خزينة الدولة عن خدمات لم تقدم قط.

تورط في القضية تسعة أشخاص على الأقل، يتوزعون على أدوار متكاملة منهم أطباء ومختصون في الترويض الطبي (rééducation) يصدرون الوصفات المزورة. وسائقو سيارات أجرة يقدمون الفواتير ويحصلون على التعويضات.

يُعتبر رجل يبلغ من العمر 43 عاماً “العقل المدبر” المحتمل للشبكة، وهو حالياً قيد الاعتقال الاحتياطي. أما التحقيق فقد أسفر حتى الآن عن مصادرة نحو 800 ألف يورو داخل فرنسا نقداً وأصول أخرى.

اللافت في هذه القضية هو البعد الدولي الذي اتخذته، إذ حولت جزء كبير من الأموال المختلسة إلى الخارج، خاصة نحو المغرب وبعضها نحو السنغال. يُشتبه في أن هذه الأموال استُثمرت في العقارات، من شقق سكنية وأراضٍ وممتلكات أخرى في عدة مدن مغربية، في عملية يُرى أنها تهدف إلى تبييض الأموال (blanchiment).

يستفيد المستثمرون من جاذبية سوق العقارات المغربي للأموال الأجنبية، مما يجعل تتبع هذه “الكنوز المخفية أولوية للمحققين الفرنسيين. لا تتوفر حتى الآن تفاصيل علنية دقيقة عن المواقع الدقيقة للعقارات أو قيمتها الإجمالية، لكن التحقيق يركز حالياً على تتبع التدفقات المالية وتجميد الأصول المشتبه بها.

تتعاون السلطات الفرنسية مع الجهات الأجنبية، بما في ذلك السلطات المغربية ضمن إطار التعاون القضائي الثنائي المعتاد بين البلدين، لتحديد واستعادة الأموال المحولة. ويُوصف هذا الملف بأنه من أبرز قضايا الاحتيال المنظم في المجال الصحي مؤخراً، خاصة أن قطاع النقل الصحي يكلف الدولة الفرنسية مليارات اليوروهات سنوياً.

يأتي هذا التحقيق في سياق أوسع من الجهود الفرنسية لمكافحة الاحتيال على الضمان الاجتماعي، حيث سبق أن كشفت قضايا مشابهة عن آليات احتيال تعتمد على الفوترة الوهمية أو التضخيم في خدمات النقل الطبي.

القضية لا تزال جارية، وقد تكشف المزيد من التفاصيل مع تقدم التحريات والتعاون الدولي. وتثير تساؤلات حول ثغرات الرقابة في نظام التعويضات الصحية، وكيف يمكن لشبكات منظمة استغلالها لتحويل الأموال العامة إلى استثمارات خاصة عبر الحدود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.