الحكامة الأمنية بالمغرب..من منطق الضبط إلى هندسة الطمأنينة:قراءة في تجربة عبد اللطيف حموشي.

0

الانتفاضة/ بقلم:حبيل رشيد.

قال فرانكلين روزفلت يوماً: “إن الدفاع الحقيقي عن المجتمع لا يتحقق فقط عبر القوة المادية، وإنما عبر بناء مؤسسات عادلة قادرة على حماية الحقوق وصون الكرامة وترسيخ الثقة بين الدولة ومواطنيها، لأن الأمن الذي لا يقوم على هذه الأسس يظل هشاً مهما بدا قوياً في ظاهره”.

لا شك أن التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي المعاصر، وما تفرضه من تعقيدات متزايدة في طبيعة التهديدات، قد دفعت نحو إعادة بناء المفهوم الأمني على أسس أكثر تركيباً وامتداداً… حيث إن المقاربات التقليدية القائمة على التدخل الظرفي لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة، كما أن الاقتصار على المعالجة اللاحقة للأحداث يفقد الفعل الأمني قدرته على التحكم في الزمن الأمني. وبالتالي، فإن الحكامة الأمنية تبرز باعتبارها إطاراً تفسيرياً وعملياً في الآن ذاته، يؤسس لتدبير عقلاني يربط بين النجاعة والشرعية، ويعيد ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق منطق التوازن والاستمرارية.

ومن المؤكد أن التجربة المغربية في هذا المجال تعكس مساراً إصلاحياً متدرجاً، يقوم على إعادة هيكلة المرفق الأمني ضمن رؤية استراتيجية تستحضر البعد المؤسساتي في شموليته… إذ إن تحديث البنيات لم يكن معزولاً عن تطوير أنماط التدبير، كما أن تحسين الأداء لم يكن منفصلاً عن ترسيخ القواعد القانونية والتنظيمية. ومن ثم، يتأكد أن هذا التحول يستند إلى وعي عميق بأن الأمن لا يُختزل في آليات الزجر، وإنما يتأسس على بناء منظومة متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد الوقائية والتنظيمية والإنسانية.

في هذا الإطار، يبرز دور السيد عبد اللطيف حموشي باعتباره فاعلاً مركزياً في تأطير هذا التحول، من خلال مقاربة تقوم على تعددية المستويات وتكامل الوظائف… حيث إن البعد الاستراتيجي يحدد الاختيارات الكبرى ويضبط التوجهات العامة وفق رؤية استباقية دقيقة، في حين يعمل البعد التنظيمي على إعادة توزيع الاختصاصات وإرساء قواعد اشتغال واضحة قائمة على الانضباط والفعالية، بينما يتكفل البعد الميداني بترجمة هذه التوجهات إلى تدخلات محسوبة تستجيب لمتطلبات الواقع الأمني. إضافة إلى ذلك، يحضر البعد الإنساني باعتباره مكوناً أساسياً يكرس فكرة أن الأمن خدمة عمومية تستند إلى حماية المواطن وصون كرامته وتعزيز إحساسه بالاطمئنان.

وعلاوة على ذلك، فإن التحول البنيوي الذي عرفه الجهاز الأمني يتجسد في الانتقال نحو منطق الاستباق… حيث إن تحليل المعطيات، واستثمار المعلومات، وتطوير أدوات الرصد، أصبحت مرتكزات أساسية في صناعة القرار، وهو ما يؤكد أن الفعل الأمني لم يعد رهيناً بردود الأفعال، وإنما أضحى قائماً على توقع المخاطر واحتوائها قبل تحولها إلى تهديدات قائمة. لذلك، فإن هذا التوجه يعكس إدراكاً دقيقاً لطبيعة التحديات الراهنة، التي تتسم بالتعقيد والتداخل وتفرض اعتماد مقاربات مرنة وقابلة للتكيف.

كما أن تطوير الموارد البشرية يمثل دعامة مركزية داخل هذا المسار الإصلاحي… إذ إن تأهيل الكفاءات، وتعزيز التكوين المستمر، وترسيخ قيم المهنية والانضباط، تشكل عناصر حاسمة في ضمان جودة الأداء واستمرارية الفعالية. ومن الثابت أن المؤسسة التي تؤسس لمنطق الاستحقاق وتربط المسؤولية بالمحاسبة، تضمن لنفسها استقراراً داخلياً يعزز قدرتها على مواجهة التحديات.

وفي السياق ذاته، يتعزز البعد التواصلي كرافعة لإعادة بناء الثقة… حيث إن تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وتبسيط المساطر، والارتقاء بجودة الخدمات، أسهم في إعادة تشكيل الصورة الذهنية، وترسيخ إحساس عام بالأمن المجتمعي. وبالتالي، فإن الأمن لم يعد يرتبط فقط بحضور القوة، وإنما أصبح يقاس بمدى قدرة المؤسسة على كسب ثقة المواطن وتعزيز شعوره بالحماية.

كما أن إدماج الرقمنة ضمن العمل الأمني يعكس توجهاً واعياً نحو التحديث… إذ إن اعتماد التكنولوجيا في تدبير المعطيات، وتسريع الخدمات، وتحسين دقة التدخلات، ساهم في رفع مستوى النجاعة وتقليص هامش الخطأ. ومن ثم، فإن الرقمنة أضحت خياراً استراتيجياً يواكب التحولات، ويؤسس لنموذج أمني أكثر كفاءة ومرونة.

إن هذا المسار، بما يحمله من أبعاد تنظيمية واستراتيجية، يؤكد أن الحكامة الأمنية بالمغرب قد انتقلت من مستوى الشعار إلى مستوى الممارسة الفعلية… حيث إن التخطيط المحكم، والتنسيق المستمر، والتقييم الدائم، أصبحت محددات أساسية في تدبير الشأن الأمني، وهو ما يرسخ فكرة أن الأمن يبنى عبر التراكم، ويُصان عبر اليقظة، ويُعزز عبر الثقة.

ومن المؤكد أن هذا التحول يعكس إعادة تعريف دقيقة للوظيفة الأمنية، باعتبارها رافعة للاستقرار ومجالاً لبناء الثقة، وليس مجرد أداة للضبط… حيث إن ترسيخ الطمأنينة داخل المجتمع لم يعد نتيجة عرضية، وإنما أصبح ثمرة لسياسات مدروسة، ورؤية واضحة، وقيادة قادرة على استيعاب التعقيد وتدبيره بكفاءة واقتدار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.