صحافة “الورقة الزرقاء”: حين تتحول شائعات المقاهي إلى تحقيقات صحفية

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة

في زمن السرعة الرقمية، لم تعد المعلومة وحدها هي ما يصنع الخبر، بل أصبحت طريقة تقديمها ومسؤولية نقلها هي المعيار الحقيقي لمصداقية الصحافة. غير أن ما نلاحظه في بعض المنابر الإعلامية اليوم يثير قلقاً حقيقياً حول انزلاق العمل الصحفي نحو ممارسات أقرب إلى تداول الشائعات منها إلى نقل الأخبار.

فالمقال الذي يتم تداوله مؤخراً حول “شبهة تبديد أموال عمومية” وربطه باسم مستشار برلماني، يكشف نموذجاً واضحاً لطريقة تحرير تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية والانسجام المنطقي. إذ يبدو النص أقرب إلى حديث المقاهي منه إلى مادة صحفية مبنية على الوقائع الموثقة.

الصحافة ليست مجرد نقل لما يقال، بل هي مسؤولية تدقيق وتمحيص وتحليل. أما أن تُجمع عبارات مبهمة، وتُربط أحداث متباعدة، ثم يُقدَّم ذلك في قالب يوحي بوجود قضية متكاملة، فذلك لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخلق ضباباً إعلامياً مقصوداً.

الخبر المتداول يتحدث عن ملف مالي يخص مؤسسة بنكية ومسؤولاً جهوياً بها، ثم يتم إدخال اسم مستشار برلماني في السياق بطريقة توحي بوجود علاقة مباشرة، دون تقديم معطيات دقيقة أو اتهامات واضحة أو حتى توضيح صفة هذا “الاشتباه”. وهنا يطرح السؤال البسيط الذي قد يغيب عن بعض محرري هذه المقالات:
هل كل شخص يتعامل مع بنك أو تربطه علاقة مهنية بمؤسسة ما يصبح تلقائياً مسؤولاً عن أي مخالفة قد يرتكبها أحد مسؤوليها؟

إذا كان مدير بنك قد يكون موضوع تحقيق أو مساءلة، فهل يعني ذلك أن جميع زبناء البنك – بمن فيهم شخصيات عامة أو سياسية – يصبحون محل اتهام؟
وهل يكفي استدعاء شخص للاستماع إليه أو الاستفسار منه حتى يتحول في المقالات إلى “طرف في قضية”؟

إن المنطق الصحفي السليم يميز بين المعلومة والتأويل، وبين الاشتباه القانوني والإيحاء الإعلامي. لكن ما يحدث في مثل هذه النصوص هو العكس تماماً: يتم بناء رواية كاملة على إشارات غامضة، ثم تُترك للقارئ ليملأ الفراغات بما يريده كاتب المقال أو الجهة التي تقف خلفه.

والسؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من المتهم؟
بل: من المستفيد من نشر هذا النوع من المقالات؟

فالتجربة علمتنا أن بعض النصوص الصحفية لا تُكتب بحثاً عن الحقيقة، بل لخدمة صراعات خفية:

– منافسات سياسية،
– تصفية حسابات شخصية،
– أو محاولة التأثير على الرأي العام عبر أخبار غير مكتملة أو غير مثبتة.

الصحافة الحقيقية لا تعمل بمنطق “الإيحاء” ولا بمنطق “التلميح المقصود”.
الصحافة الجادة تطرح أسئلة واضحة:
هل المستشار البرلماني متهم فعلاً في هذا الملف؟
ما هي طبيعة الاتهام إن وجد؟
ما هي الوقائع التي استندت إليها الجهات القضائية؟
وهل ورد اسمه بصفته متهماً أم بصفته شخصاً قد يُستمع إليه في سياق البحث؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع الخبر الحقيقي، لا العناوين المثيرة التي تُكتب أحياناً مقابل “ورقة مالية زرقاء” من جهة تبحث عن تشويه صورة خصمها دون أن تظهر في الواجهة.

ولعل المفارقة الكبرى أن بعض من يكتبون مثل هذه المقالات يعتقدون أن القارئ مجرد متلقٍ سلبي، بينما الحقيقة أن القارئ – مهما قيل له – يمتلك عقلاً يحلل ويقارن ويطرح الأسئلة.
فإن كان المتحدث أحمق، فالمستمع ليس بالضرورة كذلك.

القضايا المرتبطة بالمال العام موضوع حساس يستحق معالجة إعلامية دقيقة ومسؤولة، لأن أي خطأ أو تسرع في نقل المعلومات قد يتحول إلى أداة للتشهير بدل أن يكون وسيلة لكشف الحقيقة.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة، مع تقدم التحقيقات القضائية، كفيلة بإظهار الوقائع كما هي:
من المتهم؟
ما طبيعة الملف؟
ومن حاول استغلاله إعلامياً قبل أن تتضح معالمه؟

فالحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تبقى أكثر صلابة من أي خبر مرتبك أو رواية غير منسجمة.

وفي النهاية، قد تنجح بعض المقالات في إثارة الضجيج لوقت قصير، لكنها نادراً ما تصمد أمام اختبار الزمن… لأن الخبر الحقيقي يعيش بالوقائع، أما الشائعة فتعيش فقط بالضجيج.

التعليقات مغلقة.