‎ارتفاع أسعار المحروقات بالمغرب… حين تُستنزف جيوب المواطنين

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

عاد شبح الزيادات في أسعار المحروقات ليخيّم من جديد على يوميات المغاربة، بعد الزيادة الأخيرة التي دخلت حيز التنفيذ ابتداءً من منتصف ليلة 16 مارس 2026، والتي رفعت سعر الغازوال بحوالي درهمين للتر، فيما ارتفع البنزين بنحو 1.44 درهم للتر. وتأتي هذه الزيادة لتضيف حلقة جديدة إلى سلسلة من الارتفاعات التي باتت تثقل كاهل المواطنين وتستنزف قدرتهم الشرائية في ظل موجة غلاء متصاعدة.
هذه الزيادة، التي قد تبدو رقمًا تقنيًا في سوق الطاقة، تتحول في الواقع إلى عبء يومي يطال تفاصيل حياة المغاربة. فالمحروقات لا تقتصر أهميتها على تشغيل المركبات فحسب، بل تمثل عصب النقل والإنتاج والتوزيع، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينتقل بسرعة إلى باقي القطاعات. ومع كل زيادة جديدة، ترتفع معها تكاليف النقل والخدمات، وتتسلل موجة الغلاء إلى أسعار السلع الأساسية، لتجد الأسر نفسها في مواجهة فاتورة معيشية أثقل من ذي قبل.

ومنذ تحرير أسعار المحروقات في المغرب سنة 2015، أصبحت الأسعار مرتبطة بشكل مباشر بتقلبات السوق الدولية للنفط، دون تدخل مباشر للدولة في تحديدها. وقد كان الهدف من هذا القرار، بحسب التبريرات الرسمية آنذاك، تحرير السوق وتعزيز المنافسة بين الشركات. غير أن هذا النظام جعل الأسعار المحلية أكثر حساسية لتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يفسر توالي الزيادات كلما شهدت أسعار النفط ارتفاعاً في الأسواق الدولية.
لكن ما يزيد من حدة الجدل هو أن هذه الزيادات تأتي في سياق اقتصادي صعب تعيشه فئات واسعة من المجتمع. فارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية خلال السنوات الأخيرة جعل هامش القدرة الشرائية يضيق بشكل ملحوظ، لتصبح أي زيادة جديدة في المحروقات بمثابة ضربة إضافية لميزانيات الأسر.
في الشارع المغربي، لم تعد مسألة أسعار الوقود مجرد نقاش اقتصادي، بل تحولت إلى قضية اجتماعية يومية.

فالسائق المهني يرى في كل زيادة تهديداً لمصدر رزقه، والتاجر يخشى انعكاسها على تكاليف النقل والتوزيع، بينما يجد المواطن البسيط نفسه في نهاية المطاف أمام أسعار أعلى في السوق، دون أن يملك القدرة على مجاراة هذا الارتفاع المستمر.

وفي ظل هذا الواقع، يتجدد النقاش حول ضرورة إيجاد توازن بين منطق السوق الحرة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فبين تقلبات السوق الدولية ومتطلبات الاقتصاد الوطني، تبقى جيوب المغاربة الحلقة الأضعف التي تتحمل في كل مرة كلفة الارتفاعات المتتالية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: إلى أي حد يمكن للمواطن أن يواصل التكيف مع موجات الغلاء المتلاحقة، دون أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى تحدٍّ اجتماعي أكبر في المستقبل القريب؟

التعليقات مغلقة.