الانتفاضة // سعيد حجي
اسألوا علماء الأحياء عن تلك اللحظة الخفية التي يرتجف فيها القلب للمرة الأولى داخل ظلمة الرحم، حين يتحول تجمع من الخلايا الدقيقة إلى إيقاع نابض، إلى نبضة تشق الصمت الكوني الصغير الذي يحيط بالجنين، اسألوهم عن السر الذي يجعل قطعة لحم ميكروسكوبية تضبط زمنها الخاص قبل أن ترى الشمس، قبل أن تتعلم الرئتان الهواء، قبل أن يعرف الدم طريقه في الجسد. سيحدثونكم عن شيفرات وراثية، عن إشارات كهربائية، عن تمايز خلوي معقد، عن جينات تنفتح مثل أبواب دقيقة داخل نواة الخلية، سيصفون الشبكات البروتينية التي تتراص مثل هندسة مجهرية، سيستعرضون خرائط التطور الجنيني، لكنهم حين يصلون إلى السؤال الأقدم، سؤال البداية، سيبقى هناك صمت خفيف في نهاية التفسير…
اسألوا علماء الفيزياء الحيوية عن ذلك التوازن الدقيق الذي يجعل أربع لترات من الدم تدور آلاف المرات كل يوم داخل شبكة من الشرايين والأوردة والشعيرات التي يبلغ طولها في الجسد الواحد عشرات الآلاف من الكيلومترات، شبكة لو مدّت لربطت مدنا وقارات، اسألوهم عن الضغط الهيدروديناميكي الذي يحفظ الدم في مجراه، عن المرونة المدهشة لجدران الأوعية، عن الإيقاع الكهربائي الذي يولد في عقدة صغيرة داخل القلب ثم ينتشر مثل موجة حياة. سيحدثونكم عن قوانين السوائل، عن فروق الضغط، عن الفيزياء الحيوية للخلايا، لكن السؤال العميق يبقى يلمع في الخلفية مثل نجمة بعيدة…
اسألوا علماء الأعصاب عن تلك الكتلة الرمادية التي تزن كيلوغراما ونصفا، عن الدماغ الذي يحتوي على ما يقارب مئة مليار خلية عصبية، وعن التريليونات من التشابكات العصبية التي تشتعل فيها النبضات الكهروكيميائية بسرعة مذهلة، عن الذاكرة التي تخزن الطفولة والصوت والرائحة والوجوه، عن الوعي الذي يقف مثل مرآة داخل الإنسان، عن ذلك الإدراك الذي يسمح لقطعة من المادة أن تتأمل الكون كله. سيحدثونكم عن الشبكات العصبية وعن اللدونة الدماغية وعن خرائط القشرة المخية، عن مناطق اللغة والحركة والإحساس، غير أن لغز الوعي يظل معلّقا فوق العلم مثل سؤال لا ينتهي…
اسألوا علماء النبات عن بذرة صغيرة بالكاد تُرى، عن قشرة دقيقة تحمي خريطة كاملة لشجرة لم تولد بعد، اسألوهم كيف تنفجر الحياة في صمت التربة، كيف يشق الجذر طريقه نحو الظلمة بينما يتجه الساق نحو الضوء، كيف تعرف النبتة اتجاه الشمس، كيف تدير أوراقها وفق معادلات الضوء والماء والكلوروفيل، كيف تتحول أشعة الشمس إلى طاقة مخزونة داخل جزيئات السكر، إلى غذاء للأرض كلها. سيحدثونكم عن التمثيل الضوئي وعن البلاستيدات الخضراء وعن نقل الإلكترونات، عن الكيمياء الحيوية للضوء، لكن داخل هذه المعادلات يظل سؤال المعنى يرفرف مثل طائر لا يقع في شبكة التفسير…
اسألوا علماء الفلك عن ذلك الاتساق الذي يجعل الأرض تدور حول الشمس بسرعة محسوبة، وعن المسافة الدقيقة التي تحفظ الماء سائلا والحرارة معتدلة والحياة ممكنة، اسألوهم عن الثوابت الكونية التي لو انحرفت مقدار شعرة لاختفى الكون كما نعرفه، عن الجاذبية التي تمسك المجرات مثل خيوط غير مرئية، عن النجوم التي تحترق لمليارات السنين ثم تموت لتصنع عناصر الحديد والكربون والأوكسجين، العناصر نفسها التي تسري الآن في دم الإنسان وفي عظامه. سيحدثونكم عن الانفجار العظيم وعن الفيزياء الكونية وعن التوازنات الدقيقة، لكن شعورا عجيبا يظل يرافق تلك الحسابات، شعور بأن النظام أعمق من المعادلة…
اسألوا علماء السلوك الحيواني عن طيور تعبر آلاف الكيلومترات في الهجرة الموسمية دون خريطة، عن أسماك تعود إلى النهر نفسه الذي ولدت فيه بعد سنوات في المحيط، عن النحل الذي يبني خلاياه وفق هندسة سداسية تحقق أقصى اقتصاد في المساحة والطاقة، عن النمل الذي ينظم مجتمعاته وفق تقسيم عمل معقد، عن الغريزة التي تعمل كبرنامج حي داخل المخلوقات. سيحدثونكم عن الإشارات المغناطيسية وعن الفيرمونات وعن البرمجة الجينية، عن أنظمة التوجيه الحيوي، لكن خلف تلك الشروح يقف سؤال الحكمة مثل ظل طويل…
اسألوا علماء الكيمياء عن الذرة التي تحتوي على نواة صغيرة تحيط بها سحابة إلكترونية تتحرك وفق احتمالات رياضية دقيقة، عن الروابط التي تجعل الذرات تتشابك لتكوين جزيئات، عن الكربون الذي يستطيع أن يبني ملايين المركبات المختلفة، عن البروتينات التي تنطوي داخل الخلية وفق طيّات ثلاثية الأبعاد شديدة التعقيد، عن الإنزيمات التي تسرّع التفاعلات الحيوية بسرعة مذهلة. سيحدثونكم عن ميكانيكا الكم وعن الديناميات الجزيئية وعن البنية البلورية للمادة، غير أن انتظام الكون داخل تلك القوانين يترك في العقل صدى لا تفسره المعادلات وحدها…
داخل هذا الامتداد من الأسئلة كان الفيلسوف بلز باسكال يهمس بعبارة تسري مثل تيار هادئ في الوعي الإنساني: “للقلب براهينه التي لا يعرفها العقل”، عبارة لا تهدم العلم ولا تنازعه، عبارة تفتح نافذة أخرى في الجدار المعرفي، نافذة يرى منها الإنسان أن المعادلات والقياسات ليست نهاية الطريق، انما ممر طويل يقود إلى دهشة أوسع…
الكون كله يبدو مثل نص كوني مكتوب بلغة القوانين، لغة الأعداد والثوابت والأنماط، لغة تتكرر فيها الإيقاعات من الذرة إلى المجرة، من نبضة القلب إلى دوران الكواكب، من اهتزاز الأوتار الجزيئية إلى الموسيقى الصامتة للفضاء العميق. الإنسان حين يتأمل هذا التناسق يشعر أن الوجود يتحرك وفق بنية عقلانية عميقة، بنية تشبه المعنى أكثر مما تشبه الصدفة، بنية يتقاطع فيها النظام الفيزيائي مع السؤال الميتافيزيقي…
تتراكم المعارف، تتوسع المختبرات، تتكاثر المجاهر والتلسكوبات، تتقدم النماذج الرياضية، يتعمق التحليل الجزيئي، تتفرع العلوم إلى تخصصات دقيقة، ومع كل خطوة في هذا التقدم يزداد الإحساس بأن المعرفة تكشف طبقات جديدة من الدهشة بدل أن تستنفدها، كأن الكون يفتح أبوابه طبقة بعد طبقة، كأن الحقيقة تتحرك مثل أفق يبتعد كلما اقترب الإنسان منه…
عند تلك الحافة التي يلتقي فيها العلم بالتأمل، حيث تنتهي المعادلة ويبدأ السؤال الأكبر، حيث يهدأ ضجيج المختبرات ويعلو صمت الوجود، هناك كلمة واحدة تختصر هذا الاتساع كله… الله ..!
ثم اسألوا السؤال القديم الذي يتردد في أعماق الوجود منذ فجر الوعي:
أ إلهٌ مع الله؟
التعليقات مغلقة.