الانتفاضة/ أكرام
في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي على الصعيدين الوطني والدولي، يطفو سؤال التعددية الإعلامية على السطح باعتباره أحد أعمدة الممارسة الصحفية المسؤولة. ويأتي تخليد اليوم العالمي للإذاعة هذه السنة تحت شعار “الذكاء الاصطناعي: أداة وليس صوتا” ليعيد طرح إشكال جوهري يتعلق بمكانة التكنولوجيا داخل غرف الأخبار: هل تمثل دعما للعمل الصحفي أم بديلا عنه؟
ضمن هذا الإطار، يندرج اللقاء الفكري والتفاعلي المنظم بمدينة مراكش حول موضوع “الذكاء الاصطناعي والتعددية الإعلامية: أية إذاعة اليوم؟”، باعتباره محطة للتفكير الجماعي في مستقبل الإذاعة في زمن التحول الرقمي المتسارع. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مساعدة، بل أصبح فاعلا مؤثرا في إنتاج الأخبار، وتحليل البيانات، وصياغة المضامين، بل وحتى في توجيه الجمهور عبر الخوارزميات.
غير أن هذا التطور، رغم ما يتيحه من فرص واعدة، يطرح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية عميقة. كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي دون المساس باستقلالية التحرير؟ وكيف نضمن ألا تتحول الخوارزميات إلى أدوات لإعادة إنتاج التحيزات أو إقصاء أصوات بعينها؟ ثم كيف نحافظ على جوهر العمل الإذاعي القائم على القرب من المواطن، ونقل انشغالاته بصدق وتعدد؟
إن تعزيز التعددية الإعلامية في غرف الأخبار يمر أساسا عبر تمكين الصحافيين من فهم هذه التقنيات والتحكم فيها، بدل الخضوع لمنطقها التقني الصرف. فالذكاء الاصطناعي، حين يستخدم بشكل مسؤول، يمكن أن يساهم في توسيع قاعدة المصادر، وتحسين الوصول إلى المعلومات، وتحليل المعطيات المعقدة بسرعة ودقة، بما يخدم جودة المضامين ويعزز تنوع وجهات النظر.
لكن الرهان الأكبر يظل في وضع أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تؤكد أن التكنولوجيا تبقى أداة في يد الإنسان، وليست بديلًا عنه. فالصحافة، في جوهرها، ممارسة إنسانية ترتكز على القيم، وعلى احترام الحق في المعلومة، وعلى الدفاع عن الكرامة وحقوق الإنسان. وأي توظيف للذكاء الاصطناعي خارج هذا الإطار قد يهدد الثقة في الإعلام ويضعف دوره المجتمعي.
إن النقاش حول “أية إذاعة اليوم؟” ليس سؤالا تقنيا فحسب، بل هو سؤال ديمقراطي بامتياز. إذ يتعلق بمستقبل فضاء عمومي تعددي، منفتح، قادر على احتضان مختلف الأصوات والتعبير عن تنوع المجتمع. وفي هذا الأفق، يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز جودة الإعلام، شريطة أن يظل خاضعًا لمنظومة قيم مهنية واضحة، تجعل من الإنسان مركز العملية الإعلامية وغايتها الأساسية.
التعليقات مغلقة.