مجلس السلام أم فخّ التوازنات؟ قراءة في المشهد السياسي الراهن

الانتفاضة  /// الدكتور رامي عاشور 

​يتساءل الكثيرون: كيف تستمر إسرائيل في شن غاراتها على قطاع غزة وممارسة انتهاكاتها، خاصة في الجنوب، في الوقت الذي نشهد فيه انعقاد ما يسمى “مجلس السلام”؟ ألم ينتهِ الصراع لتبدأ مرحلة إعادة الإعمار وعودة الأمور إلى نصابها؟

​الحقيقة قد تكون صادمة للبعض؛ فمجلس السلام الذي يُعلق عليه الكثيرون آمالهم، تتمع إسرائيل بعضويته بشكل رسمي. وهنا تبرز المفارقة: كيف تكون الدولة التي أُسس المجلس للحد من سياساتها عضوًا فيه؟ الإجابة تكمن في الدهاء السياسي؛ فإسرائيل تمارس السياسة بنفس القدر الذي تمارس فيه البطش العسكري.

​كواليس التمويل والحضور الدولي

​وجّه الرئيس ترامب دعوة إلى (60) رئيس دولة لحضور هذا الاجتماع، إلا أن الملبيين للدعوة لم يتجاوزوا (24) رئيسًا، بينما اكتفت بقية الدول بإرسال وفود تمثيلية، ومن بينها مصر.

​أما عن الدعم المالي المعلن، فقد تم الحديث عن (7) مليارات دولار مقدمة من (9) أعضاء في المجلس، بالإضافة إلى (10) مليارات دولار وعد بها ترامب من الجانب الأمريكي. فهل هذه الوعود حقيقية أم مجرد “دعاية سياسية”؟

​إنها أقرب ما تكون لترويج مبدأ “حسن النية”؛ حتى لا يجرؤ أحد مستقبلاً على اتهام هذه الأطراف بالتواطؤ عندما تتفاقم الأوضاع. ولتوضيح الصورة أكثر، يجب الانتباه للآتي:

​ضآلة الدعم: قدّر الاتحاد الأوروبي في أغسطس الماضي تكلفة إعادة الإعمار بـ 84 مليار دولار؛ لذا فإن الـ 7 مليارات المقترحة تعد مبلغًا زهيدًا، هذا بفرض دفعها فعليًا والاتفاق على الجهة التي ستتسلمها.

​غموض المصدر: لم يوضح ترامب مصدر الـ 10 مليارات دولار، وما إذا كان قد حصل على موافقة الكونجرس أم لا.

​شرط نزع السلاح: حجر الزاوية في اتفاق ومجلس السلام هو التزام حركة “حماس” بالمرحلة الثانية، والتي تقتضي نزع سلاحها بالكامل. والمماطلة الحالية في هذا البند تصب مباشرة في مصلحة إسرائيل.

​لماذا تفضل إسرائيل عدم موافقة حماس على نزع السلاح؟

لأن ذلك يُعد تنصلاً واضحًا من الاتفاق من وجهة نظرها، مما يمنحها مبررًا شرعيًا دوليًا لمعاودة الاجتياح. الممارسات الحالية في القطاع والضفة هي خطوات ممنهجة تعكس إدراكهم بأن “مجلس السلام” وُلد ميتًا.

​الجبهة اللبنانية وساعة الصفر الإيرانية

​لا تتوقف التحركات عند غزة؛ فقد شنت إسرائيل غارات على لبنان لملاحقة قيادات المقاومة. وبالتزامن مع ذلك، تشير التقارير (مثل موقع “ستراتفور”) إلى رفض حزب الله نزع سلاحه، مما يعني تعذر إجراء الانتخابات اللبنانية في مايو القادم، ويهيئ المناخ لاجتياح إسرائيلي وشيك لجنوب لبنان.

​كلمة السر هي “إيران”؛ فالعالم يترقب ساعة الصفر لضرب إيران، وحينها ستستفرد إسرائيل بالأذرع الإيرانية واحدًا تلو الآخر، بينما ستكون طهران مشغولة بمواجهة القوى العظمى والدفاع عن نفسها.

​الضفة الغربية والقرن الأفريقي

​في الضفة: يتم تنفيذ قانون الاستيطان الجديد بصمت مع تهجير أعداد كبيرة نحو الأردن، دون الحاجة للعنف المفرط المستخدم في القطاع.

​في الصومال: اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” لم يكن عبثًا، بل لإنشاء قاعدة عسكرية هناك لمحاصرة الحوثيين وتجاوز عقبة المسافات.

​واقعية القوة أم تفاؤل زائف؟

​المؤشرات الميدانية تنذر بالخطر؛ فقد أرسل ترامب (150) طائرة شحن مع طائرات F-35 للمنطقة، وحثت ألمانيا مواطنيها على مغادرة إيران فورًا. الشرق الأوسط على أعتاب انفجار يهدف لإعادة رسم الخريطة لخدمة طرف واحد.

​قد يتساءل البعض: أين القانون الدولي؟ الحقيقة المرة هي أنه في السياسة الدولية، عندما تفرض القوة نفسها، يصبح الحديث عن القانون والمجتمع الدولي مجرد شعارات فارغة. لم ينقذ القانون الدولي العراق ولا أوكرانيا ولا فلسطين؛ فالضعيف يدفع دائمًا ثمن ضعفه.

​ختامًا؛ الحديث عن هذه الحقائق ليس “انهزامية” أو “إحباطًا”، بل هو وعي حقيقي بالواقع بعيدًا عن التخدير والرضا الزائف. لمواجهة القوة، نحتاج إلى قوة مناظرة، تبدأ بالعلم وتنتهي بالإرادة السياسية الموحدة للدول العربية للضغط على القوى الكبرى، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار.

التعليقات مغلقة.