المرأة التي لا تنام

الانتفاضة  /// سعيد ججي

الشركات العالمية صنعت داخل المرأة مرآة لا تنام، مرآة تقف في كل زاوية من حياتها، في الهاتف، في الإعلان، في واجهات المتاجر، في الصور المعدّلة، في الوعود الصغيرة التي تتسلل كسمّ ناعم إلى الوعي. هوس يتكاثر مع كل تكرار، مع كل منتج جديد، مع كل صيحة موضة، مع كل خطاب يربط القيمة الإنسانية بملمس الجلد، بتناسق الخصر، بصفاء الوجه، وكأن هذا الجسد صار مشروعا اقتصاديا مفتوحا، وكأن المرأة أعيد تعريفها داخل منظومة السوق باعتبارها جسدا قابلا للتطوير المستمر، قابلا للبيع، قابلا للتسليع، قابلا لأن يُستثمر فيه أكثر مما يُستثمر في الروح والمعرفة والمعنى….

هذه الرأسمالية المتوحشة لم تكتف ببيع المساحيق، بل باعت معها لغة كاملة، لغة تخلق النقص، ثم تبيع الوهم الذي يسدّه. خطاب يشتغل على هندسة الرغبة، على إعادة تشكيل الوعي، على زرع قلق دائم داخل الأنثى: قلق من التجاعيد، من العمر، من الوزن، من المرآة، من نظرة الآخرين، من الزمن وهو يمرّ على الجسد مثل ريح باردة. هكذا يتحول الجسد إلى مركز كوني، إلى محور تدور حوله السعادة والتعاسة، إلى مساحة صراع رمزي بين الذات وما يُفرض عليها، بين الكائن الحرّ وآلة الاستهلاك التي لا تشبع…

قنوات التجميل، عالم الموضة، صناعة الإعلانات، منصات التواصل، كلها تشتغل كجهاز أيديولوجي ناعم، يغسل المخيال ويعيد كتابة المعايير، فيصبح الجمال معيارا قاسيا، يصبح قيدا، يصبح امتحانا يوميا، تصبح المرأة مطالبة بأن “تشحذ” جسدها كما لو كان سيفا في معركة لا تنتهي. اقتصاد كامل يقوم على استثارة الإحساس بالنقص، على تحويل الأنثى إلى مستهلكة دائمة، على جعل الجسد رأس مال رمزي، سلعة داخل سوق الرغبات…

حين تقرأ أن تجارة مواد التجميل هي الأعلى عالميا مقارنة بمستلزمات الحياة، تدرك حجم المفارقة الوجودية التي نعيشها. أرقام تفضح ما يحدث في العمق: في الولايات المتحدة تنفق النساء ما يقارب 170 مليار دولار على أجسادهن، في فرنسا 45 مليارا، في السعودية تسع مليارات. هذه ليست أرقاما صغيرة ، هذه خرائط ضخمة لرأس المال وهو يعيد توجيه الطاقات نحو سطح الأشياء، نحو القشرة، نحو الاستهلاك الذي يتخفى في هيئة “عناية” و”جمال”. هنا تتجلى الهيمنة الاقتصادية وهي تتسلل إلى أكثر المناطق حميمية: إلى الجلد، إلى الشعر، إلى تفاصيل الوجه…

الميزانيات التي تُنفق على الجسد، لو تحولت إلى مشاريع معرفة، إلى استثمار في التعليم، إلى بناء استقلال اقتصادي حقيقي، إلى خلق مؤسسات ثقافية، إلى دعم البحث والإبداع، لكانت المجتمعات قد شهدت تحولات نوعية. لكن الرأسمالية تعرف جيدا أن المرأة القلقة على جسدها أقل قدرة على التمرد، أكثر قابلية للاستهلاك، أكثر خضوعا لمعايير السوق، أكثر انشغالا بالمرآة من انشغالها بالأسئلة الكبرى…

في العمق، الجسد يظل جسدا، مادة فانية، زمن يكتب عليه أثره، مهما غُطّي بالمساحيق، مهما أُعيد تشكيله، مهما حُقن بالوهم. القيمة ليست في اللون الذي يوضع على الوجه، إنما في المعنى الذي يسكن الداخل. السوق لا يريد لهذه الحقيقة أن تكون واضحة، لأن وضوحها يهدد أرباحه، يهدد مصانع كاملة، يهدد إمبراطوريات قائمة على بيع القلق…

في روايات واسيني الأعرج يمرّ الجسد كظلّ هشّ أمام عظمة الروح، كمساحة أمام كثافة الذاكرة، كأن الإنسان في النهاية يقاس بما يحمل من حكايات وألم ومعنى، لا بما يلمع على سطحه. وفي خلفية هذا المشهد، تحضر أفكار بيير بورديو عن العنف الرمزي، ذلك العنف الذي لا يضرب بالسوط، انما بالمعايير، بالصور، بالذوق المفروض، بالهيمنة التي تجعل الخضوع يبدو اختيارا شخصيا…

هكذا تتحول المرأة إلى ساحة صراع فلسفي واجتماعي: بين الحرية والتشييء، بين الوجود ككائن كامل وبين الاختزال في جسد، بين مشروع الحياة العميق وبين سوق يختزلها في “شكل”. مصطلحات مثل التسليع، الاغتراب، الهيمنة الرمزية، اقتصاد الرغبة، كلها ليست مفاهيم نظرية بعيدة، هي ما يحدث يوميا في تفاصيل المرآة، في إعلانات الشوارع، في خطاب “الجمال” الذي يبدو بريئا بينما هو يحمل في داخله شراسة النظام الرأسمالي…

الجسد ليس عدوا، لكنه حين يصبح محور الكون تتحول الحياة إلى قفص، تتحول المرأة إلى مشروع استهلاكي، تتحول السعادة إلى منتج، وتصبح الرأسمالية أكثر قدرة على التلاعب، على استفزاز المشاعر، على صناعة “الجمال” ككذبة كبرى تباع في قارورة صغيرة….

والسؤال الذي يبقى معلقا في النهاية: متى تستعيد المرأة جسدها كبيت للروح، لا كسوق للسلع؟ متى يعود الجسد مساحة للوجود، لا مساحة للاستغلال؟

التعليقات مغلقة.