الدبلوماسية المغربية: حين تتحول الثوابت إلى أفعال

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في زمن تختلط فيه الشعارات بالمزايدات، وتستغل فيه القضايا العادلة كورقة للاستهلاك السياسي، تبرز الدبلوماسية المغربية كنموذج مختلف؛ نموذج يستند إلى تاريخ عريق، وإلى رؤية متزنة تجعل من الفعل الميداني معيارا للمصداقية، لا مجرد الخطاب المرتفع.

ليست قوة الدبلوماسية المغربية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل تشكل عبر قرون من التراكم السياسي والديني والحضاري. فمنذ قيام الدولة المغربية، ظل المغرب فاعلا أساسيا في محيطه الإقليمي، متشبثا بثوابته، ومدافعا عن قضاياه الوطنية والقومية بروح تجمع بين الحكمة والحزم. وقد تجلت هذه المقاربة بوضوح في تعاطي المملكة مع مختلف الملفات الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يكتسب الدور الذي يضطلع به جلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس التابعة لـ منظمة التعاون الإسلامي، بعدا خاصا. فالمغرب لم يكتفِ بإعلان مواقف داعمة للقدس، بل ترجم التزامه إلى مبادرات عملية عبر وكالة بيت مال القدس، التي تواصل تنفيذ مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية لفائدة المقدسيين، في إطار دعم صمودهم والحفاظ على الهوية الحضارية للمدينة.

إن أداء الصلاة في المسجد الأقصى، والمرور عبر باب المغاربة، ليسا مجرد حدثين بروتوكوليين، بل يحملان دلالات رمزية عميقة. فباب المغاربة تحديدا شاهد تاريخي على الوجود المغربي في القدس منذ قرون، ويختزل روابط روحية وحضارية متجذرة بين المغرب والمدينة المقدسة. وهنا تتجسد الدبلوماسية في أبهى صورها: هادئة في خطابها، راسخة في ثوابتها، عملية في مبادراتها.

لقد أثبت المغرب أن دعم غزة، كما دعم القدس، لا يقاس بحجم الشعارات ولا بحدة البيانات، بل بما ينجز على الأرض. المساعدات الإنسانية، المبادرات التضامنية، والمواقف السياسية المتوازنة، كلها تعكس فلسفة دبلوماسية قائمة على الواقعية والمسؤولية. إنها مقاربة ترفض المزايدة، وتؤمن بأن القضايا الكبرى تحتاج إلى نفسٍ طويل، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وفي مقابل حملات التشكيك أو محاولات التقليل من هذا الدور، يواصل المغرب تموقعه بثبات، مؤكدا أن السيادة الوطنية لا تتعارض مع الانخراط الإيجابي في القضايا العادلة. فالمملكة لا تبحث عن تصفيق عابر، ولا عن مكاسب ظرفية، بل عن تأثير مستدام يحفظ الكرامة ويصون الثوابت.

هكذا، تتحول الدبلوماسية المغربية من مجرد ممارسة سياسية إلى تعبير عن هوية دولة عريقة. دولة تؤمن بأن قوتها في تاريخها، وفي شرعيتها، وفي قدرتها على تحويل المواقف إلى أفعال. وبينما ينشغل البعض بصناعة الضجيج، يختار المغرب صناعة الأثر.

إنها رسالة واضحة: المغرب لا يتكلم كثيرا، بل يعمل كثيرا. وعندما يتحدث، يفعل ذلك من موقع الثقة، لا من موقع الدفاع. ومن هنا، يمكن فهم سر تلك المعادلة التي يرددها كثيرون: نحن أفضل مما يظن، وأقوى مما يتخيل.

التعليقات مغلقة.