تأملات رمضانية: سفرية فوق العادة 

الإنتفاضة 

بقلم محمد السعيد مازغ 

دفعتني الصدف، زوال يومٍ عابر، إلى شباك المحطة الطرقية بـالجديدة، قاصدًا الصويرة. خلف زجاج الشباك، جلس رجل بملامح وقار: لحية مهذبة وصوت هادئ. أخبرني أن عليّ انتظار ساعة، وأن ألتزم مقعدًا إسمنتيًا باردًا أمام الشباك، كأنني في طابور غير مرئي لا يُسمح له بالتحرك.

لم تكن الساعة وحدها ما يثقل الروح؛ كانت الرائحة. محطة تغرق في الأزبال، هندسة لا بأس بها، لكن الإهمال نزع عنها المعنى. ملصقات تندد بخروقات وتطالب بتحقيقات، صرخات صامتة على جدرانٍ متعبة. حاولت الاحتماء بالمرحاض، فتراجعت أمام مدخلٍ يشبه الأدغال. شعرت أنني في فضاءٍ لا يشبه السفر بقدر ما يشبه اختبار الصبر..       النظام بدوره غريب: من يقتني التذكرة يبقى تحت ناظري الموظف، رهن الإشارة، إلى أن تصل حافلة تقطع المسافة من الدار البيضاء نحو طنطان، مرورًا بآسفي ثم الصويرة..         حين حان الموعد، خرج الموظف ومعه مرشد، وسرنا خلفهما حتى محطة وقود. انتظارٌ ثانٍ بدأ، ساعة أخرى تُقتطع من أعصابنا. وأخيرًا وصلت الحافلة… لكن السكينة لم تصل معها. اندلع خلاف بين راكب أنهكه السفر وسائق تمسّك بـ“أولوية” المقاعد الأمامية. لا أرقام على التذاكر، ولا وضوح في القواعد. احتدّ النقاش، وارتفعت الأصوات، وتحوّلت الحافلة إلى منبرٍ غاضب: شكاوى من زيادة الأسعار، ومن جفاء المعاملة، ومن ضبابية التنظيم حمولة تفوق عدد المقاعد . في المقابل، ظلّ آخرون صامتين، يحدّقون في الساعة، يحسبون كلفة كل دقيقة.                                                                                                                      تحركنا عبر خميس زمامرة، جمعة سحيم، ثلاثاء بوكدرة… ثم المفاجأة: تبديل الحافلة قبل بلوغ الصويرة. الأولى واصلت نحو طنطان، ونحن نُقلنا إلى أخرى تكمل الرحلة. عندها تسلّل إحساس ثقيل: هل مازالت في 2026 حافلات تحمل زيادة في عدد الركاب..في ثمن التذكرة.. في الوقت؟ هل نحن ركابٌ أم بضاعة يتاجر بها في المحطات أو مجرد أرقامٍ في جدولٍ لا يراعي كرامة الطريق؟.                                                                                                                                وصلنا… لكن سؤالًا بقي معلّقًا: في عالمٍ تتنازع فيه الحقوق مع الأهواء، من يملك حق “قيادة” الحافلة نحو الاستقرار؟

أهو السائق؟ أم الإدارة؟ أم منظومة كاملة تحتاج إلى وضوح القواعد، واحترام التذكرة، وصون كرامة المسافر قبل أن تطلب منه الصبر؟

التعليقات مغلقة.