الانتفاضة
في سياق الجدال القائم بين وزارة العدل وأصحاب البذل السوداء بخصوص قانون المهنة رقم 23/66 ، كشفت مصادر إعلامية أن الخلاف بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير العدل عبد اللطيف وهبي بلغ مرحلة القطيعة، عقب قرار أخنوش سحب ملف تدبير أزمة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة من يد وزير العدل، وهو القرار الذي عمق الشرخ داخل مكونات الأغلبية الحكومية.
وأوضح المصادر ذاتها أن قنوات التواصل بين رئيس الحكومة ووزير العدل انقطعت خلال اليومين الأخيرين، خاصة بعد تلويح عبد اللطيف وهبي بإمكانية تقديم استقالته، معبرا عن امتعاضه من طريقة تدبير الملف، حيث اعتبر بحسب مصادر مقربة منه أنه لم تتم استشارته بشأن قرار تأجيل الإحالة على البرلمان رغم أن المشروع يندرج ضمن الاختصاصات المباشرة لقطاعه.
وبحسب ذات المصادر، فقد اختار رئيس الحكومة إحداث لجنة تقنية للإشراف على المشاورات مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، تضم الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان مصطفى بايتاس، وكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي عبد الجبار الراشدي، وكاتب الدولة المكلف بالشغل هشام صابري، على أن تحضر من جانب المحامين قيادة الجمعية وأعضاء مكتبها، يتقدمهم النقيب الحسين الزياني.
المصادر نفسها أوضحت أن هذه اللجنة تعمل بتكليف غير مباشر من الأمناء العامين للأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية، في مسعى لإضفاء طابع جماعي على تدبير الملف، بعدما تحول مشروع القانون رقم 66.23 إلى بؤرة توتر سياسي ومهني عطلت عمل محاكم المملكة لأزيد من عشرة أيام.
ورغم أن اللجنة التقنية ستباشر النقاشات التفصيلية، فإن القرار النهائي بشأن مآلات المشروع سيظل بيد رئيس الحكومة، وفق ما أكده المصدر، في إشارة إلى أن الحسم السياسي لم يُغلق بعد.
المصادر ذاتها أفادت بأن عبد اللطيف وهبي أبدى رفضه لتجميد المسار التشريعي بعد إعداد الصيغة النهائية للنص ولوّح بإمكانية طلب إعفائه من مهامه الحكومية في مؤشر على حجم الاحتقان الذي رافق هذا القرار داخل الحكومة.
وفي تدوينة مطولة نشرها على حسابه على “الفايسبوك”، قال الصحفي مصطفى الفن إن قرار المحامين تعليق “إضرابهم المفتوح” واستئناف العمل بمحاكم المملكة مع بداية الأسبوع المقبل يشكل خبرا سارا مذكرا بأن هذا التطور جاء عقب اللقاء الذي جمع ممثلي أصحاب “البدلة السوداء” برئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وأضاف أن رئيس الحكومة هو من طلب هذا اللقاء، كما ورد في بلاغ جمعية هيئات المحامين، مشيرا إلى أن الأمر ربما تم دون “إخبار” أو “علم” الحلفاء الحكوميين أو الوزارة الوصية على القطاع، متسائلا عما جرى حتى يتم هذا اللقاء “على عجل وبشكل مفاجئ”.
وأورد مصطفى الفن أنه لا يطرح تساؤلاته في سياق العتب، مؤكدا أن جسم المحامين معروف بأدواره التاريخية في الدفاع عن الحرية والقيم، ومن حقه الإضراب والدفاع عن رسالة المهنة التي اعتبرها تختلف عن باقي المهن.
وأشار إلى أن ما عجل بعقد اللقاء لم يكن، في تقديره، رغبة جدية في فك البلوكاج بين المحامين والوزارة، بل “نزوة صغيرة وعابرة” لرئيس حكومة قد يكون له موقف نفسي من تحركات صادرة عن حزبين معارضين يشتغلان من داخل المؤسسات، مضيفا أن الاعتراض على بعض المبادرات داخل مجالس مؤطرة بالدستور كان أحيانا فقط بسبب صدورها عن هذين الحزبين.
وأردف أن بعض الأطراف من وزير أو محام متمرن ربما لعبت “أدوارا صغيرة” في هذا اللقاء، معتبرا أن التدخل لم يكن بدافع الإيمان برسالة الدفاع، وإنما لخدمة اعتبارات شخصية وقضايا جانبية، على حد تعبيره.
وزاد قائلا إن تدخل رئيس الحكومة في هذا الخلاف يحمل بعدا سياسيا في المقام الأول في ظل “صراع حاد” داخل البيت الحكومي مع اقتراب انتخابات 2026، موضحا أن هذا الصراع وصل، وفق تعبيره، إلى حد إغلاق الهواتف بين بعض المكونات، وأحيانا إلى ما يشبه التهديد بالاستقالة من وزارة العدل أو من الحكومة نفسها إذا لم يُحل مشروع القانون على البرلمان.
وأضاف أن البعض قد يبرر هذا الخيار بما اعتبره نسفا لقرارات سبق لرئيس الحكومة أن باركها ووقعها داخل مجالس دستورية مشيرا إلى أن بعض الحلفاء شرعوا، بحسب تقديره، في إعادة رسم خريطة تحالفات الحكومة المقبلة، في أجواء وصفها بأنها لا تعكس “انسجاما حكوميا”.
وختم مصطفى الفن تدوينته بالتعبير عن تخوفه من أن يكون المشهد الحالي أشبه بـ”هدوء يسبق العاصفة” بين مكونات حكومية باتت، وفق توصيفه، عاجزة عن الجلوس حول طاولة واحدة.
في المقابل أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب في بلاغ صادر عن مكتبها، استئناف تقديم الخدمات المهنية ابتداء من يوم الاثنين 16 فبراير 2026، وذلك عقب تفاعلها مع مبادرة رئيس الحكومة الرامية إلى فتح حوار حول مشروع القانون.
وجاء هذا القرار عقب اجتماع مفتوح عقده مكتب الجمعية يوم 11 فبراير 2026، خُصص لتدارس مستجدات المشروع، خاصة بعد اللقاء الذي جمع رئيس الجمعية برئيس الحكومة، والذي وصفته الجمعية بأنه اتسم بنقاش “صريح ومسؤول” همّ مختلف الإشكالات التي طبعت المرحلة السابقة.
وثمن مكتب الجمعية مبادرة رئيس الحكومة بعقد اللقاء، وكذا اقتراحه إحداث لجنة مشتركة تحت إشراف رئاسة الحكومة وبمشاركة الجمعية، لفتح نقاش تشاركي بشأن المشروع، بما يحفظ استقلالية مهنة المحاماة ويصون أدوارها الدستورية والمجتمعية.
كما اعتبرت أن قرار تأجيل الإحالة على البرلمان يعكس توجها نحو اعتماد الحوار والتشاور قبل استكمال المسار التشريعي.
وفي هذا السياق قرر المكتب التفاعل إيجابا مع المبادرة الحكومية والمشاركة في أشغال اللجنة المرتقب عقد أول اجتماع لها يوم الجمعة 13 فبراير 2026، مجددا تأكيده على تمسك الجسم المهني بثوابته ودفاعه عن استقلال المهنة وحصانتها.
التعليقات مغلقة.