الانتفاضة $$$ زكرياء نمر
العلاقة الانسانية ليست مساحة للراحة الدائمة، بل مساحة للنمو المشترك. كثيرون يدخلون العلاقات وهم يظنون ان الانسجام يعني غياب الخلاف، وان الحب الحقيقي هو حالة دائمة من التفاهم السلس. لكن الحقيقة اكثر تعقيدا واكثر صدقا من هذه الصورة المثالية.
ان تكون في علاقة مع شخص اخر يعني بالضرورة وجود خلاف واختلاف.
الخلاف لا يتوقف الا بانسحاب احد الطرفين او بغياب الحياة نفسها. ما دمت تتنفس وما دمت في علاقة، فالتباين حاضر. الخلاف ليس دليلا على فشل العلاقة، بل في كثير من الاحيان دليل على عمقها.
العلاقات السطحية تخلو من الخلاف لانها تخلو من الحميمية، كلها ابتسامات فارغة لا نقاش فيها ولا مواجهة، لان احدا لا يهتم بما يكفي ليختلف.
ليس كل نقص عيبا قاتلا، وليس كل خطأ سببا للانسحاب. احيانا يكمن الحل في الصبر، وفي القدرة على انتظار الناس وهم يكبرون وينضجون. العلاقة ليست عقد كمال، بل مساحة تعلم متبادل.
الانسحاب السريع عند اول اختلاف يحرم العلاقة من فرصة التحول والنمو، ويحول الحب الى تجربة هشة تخاف المواجهة. الحكمة لا تعني الصمت الدائم، لكنها تعني اختيار المعركة الصحيحة. ليست كل معركة واجبة، وليس كل عيب هو المكان المناسب لاتخاذ موقف حاسم.
في بعض الاحيان لا يكون هذا هو الوقت او الموسم المناسب للقلق بشأن مشكلة معينة، وفي احيان اخرى لا تستحق المشكلة اصلا كل هذا التوتر. كثيرا ما تكشف الخلافات عن مطالبنا الكمالية اكثر مما تكشف عن حاجة الشخص الاخر للتغير.
السؤال الجوهري في العلاقات ليس هل هذا الشخص كامل ام لا، لان لا احد كامل. السؤال الحقيقي هو هل هذا الشخص مختلف فقط ام مؤذ. المفتاح يكمن في اصل الخلاف: هل نريد تغيير الشخص ليطابق احلامنا ورغباتنا، ام ان سلوكه فعلا مدمر لنا نفسيا او انسانيا.
الاول انانية متخفية باسم الحب، اما الثاني فهو خطر حقيقي يستدعي الحماية والحكمة.تجنب السموم يبقيك في مسار صحي، لكن تجنب كل الاشخاص غير المثاليين سيتركك وحيدا. الحياة تشارك، والعلاقات تبنى مع بشر ناقصين، مثلك ومثلي.
لا تتوقف عن الحب بسبب الخوف من النقص، لكن لا تبرر الاذى باسمه. الصبر فضيلة حين يكون هناك استعداد للنمو، لكنه يتحول الى استنزاف حين يكون هناك رفض دائم للتغيير.
الحب لا يعني تحمل الاذى. حين يتحول السلوك الى اهانة مستمرة، تلاعب، عنف نفسي، او تقليل من القيمة، فهنا لا يكون البقاء تضحية نبيلة، بل تخليا عن الذات.
في هذه اللحظات، يصبح وضع الحدود ضرورة لا قسوة. الحدود ليست نقيض الحب، بل شكلا ناضجا منه.
احترام النفس شرط اساسي لاحترام العلاقة.
ليس كل من نحبهم يحق لهم البقاء في حياتنا بأي ثمن، وليس كل علاقة يجب ان تستمر لمجرد ان اسمها حب.
العلاقة المتوازنة لا تخلو من الالم، لكنها تخلو من التدمير. تقوم على الصدق في التعبير، والصبر في الاختلاف، والحكمة في الانسحاب حين يصبح البقاء مدمرا.
لا تهرب من الخلاف، ولا تقدس الاستمرار، ولا تضح بنفسك من اجل وهم العلاقة المثالية.
فالعلاقة الانسانية الصحية هي تلك التي تنمي الطرفين، لا تلك التي تنقذهما على حساب نفسيهما.
التعليقات مغلقة.