الانتفاضة %%% سعيد حجي
بعض الصفحات التي تتقن فن الركمجة، والركوب على الموج، بدأت تقدم “البرلماني ورئيس الجماعة” بالقصر الكبير المعروف بالسيمو، كمنقذ مكتمل الصورة، كسياسي خارق يتجاوز البشر، كعنوان جاهز للاستهلاك السريع، كواجهة تُعلّق عليها المدينة خوفها وارتباكها واحتياجها إلى بطل فوري…
حينما عدتُ لسيرة الرجل طيلة هذه الأيام العصيبة، لم أجد في جعبته سوى الكلام الشعبوي، كلمات مصقولة للكاميرا، جُمل قصيرة تصلح للعناوين، حضور محسوب داخل مدينة تبقى مسؤوليته قبل أن تكون امتيازا، حركة داخل المجال الطبيعي للواجب، لا أكثر من ذلك….
تصريحاته التي يدعو فيها السكان إلى إخلاء المدينة، تدخل ضمن أبسط بديهيات التدبير وقت الخطر، جزء من البروتوكول، جزء من منطق السلطة حين تضيق المساحات، جزء من خطاب الإجلاء الذي تفرضه اللحظة، لا شيء فيه من المعجزة، لا شيء فيه من البطولة الأسطورية…
المشكلة ليست في أن يؤدي المسؤول دوره، المشكلة في تحويل الدور إلى ملحمة، في صناعة هالة زائدة عن حجمها، في تسليط الضوء على وجه واحد حتى يبتلع وجوه جنود الخفاء، أولئك الذين يحفرون الوحل بجلودهم، الذين يشتغلون بصمت ثقيل، الذين يرفعون الأنقاض بأكتافهم، الذين ينامون على صفير الإنذار، الذين تتكسر أيديهم داخل الطين دون أن يلتقط لهم أحد صورة…
هناك مؤسسات كثيرة في عين المكان، فرق الوقاية المدنية، رجال الإنقاذ، الجيش ، الدرك، الامن، القوات المساعدة المتطوعون، العمال المجهولون، شبكات التضامن الشعبي…، هؤلاء لا يملكون صفحات تلميع، لا يملكون عدسات تتبعهم، لا يملكون لغة التسويق السياسي، ومع ذلك هم من يصنعون الفعل الحقيقي، الفعل الخام، الفعل الذي لا يحتاج إلى زينة…..
فن الركمجة يقوم على تحويل العادي إلى استثنائي، تحويل المسؤولية إلى كرم، تحويل الواجب إلى بطولة، تحويل الصورة إلى حقيقة بديلة، صناعة “رمز” بدل إنسان، صناعة “أسطورة” بدل موظف عمومي داخل سياق كارثة…
لا تعطوا الرجل أكثر من حجمه، لا ترفعوه فوق إطاره المحتشم، لا تحولوا السياسة إلى مسرح للأبطال الخارقين، نحن لسنا أطفالا نرضع أصابعنا، نحن نملك الأخبار المباشرة من أكثر من مصدر، نملك قدرة الفلترة، نعرف كيف نفرّق بين من يشتغل بحس وطني، ومن يشتغل بحس انتخابي….
المدينة في الكوارث تكشف المعادن، تفضح الزينة، تسقط الأقنعة، تُظهر من يحضر لأن الواجب يناديه، ومن يحضر لأن الكاميرا تناديه، تُظهر الفرق بين الفعل كخدمة، والفعل كاستثمار رمزي…
في مثل هذه اللحظات، يتسلل ذلك المعنى الذي كان يهمس به أنطونيو غرامشي في ظلال التاريخ، حين تصبح الهيمنة شأنا ثقافيا قبل أن تكون شأنا أمنيا، وحين تدار العقول عبر الرموز أكثر مما تدار الشوارع عبر القرارات…
لهذا، انتبهوا… لا تسلموا وعيكم للصور، لا تخلطوا بين الضوء والعمل، بين الخطاب والإنقاذ، بين البطولة المصنوعة والجهد الذي يقطر طينا وعرقا..
القصر الكبير لا تحتاج أسطورة، تحتاج عدلا في النظر، تحتاج إنصافا لجنودها الصامتين، تحتاج وعيا لا يُستدرج بسهولة، تحتاج مجتمعا يعرف أن الكارثة ليست مسرحا للنجومية، بل اختبارا أخلاقيا يكشف من يشتغل داخل معنى المسؤولية، ومن يشتغل داخل معنى الاستعراض.
لكن حين يغيب المرشدون، أهل الاختصاص في تقديم المستجدات اليومية في معمعان الأزمة، حين تترك الساحة فارغة من صوت الخبرة، ومن خطاب الطمأنة العلمي، ومن التنظيم المعرفي للمشهد، لابد أن يظهر من يتقن هذا الدور “التمثيلي”، مثل السيمو.
والتمثيل فيه وفيه طبعا…
التعليقات مغلقة.