الانتفاضة %%% ✍️ محمد أبوالنصر
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْبُشْرَى عَلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمُبَشِّرِ النَّذِيرِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، مَنْ كَانَ بُشْرَاهُ نُورًا لِأُمَّتِهِ .
أما بَعْدُ:
إِنَّ النُّفُوسَ الْبَشَرِيَّةَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَا يَسُرُّ وَيُفْرِحُ، وَتَتَشَوَّقُ إِلَى مَا يَطْرُدُ عَنْهَا غَيَاهِبَ الْهُمُومِ وَغُمُومَ الدُّنْيَا. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا امْتَنَّ بِهِ الرَّبُّ الْكَرِيمُ عَلَى عِبَادِهِ: “الْبُشْرَى”، ذَلِكَ الْخَبَرُ السَّارُّ الَّذِي يُغَيِّرُ بَشَرَةَ الْوَجْهِ، وَيُنِيرُ الْقَلْبَ، وَيُقَوِّي الْعَزَائِمَ. وَالْبُشْرَى فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، وَمَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَصِفَةُ مُجْتَمَعٍ، وَوَعْدٌ إِلَهِيٌّ يَرْبِطُ الْمُؤْمِنَ بِخَالِقِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
إِنَّ “الْبِشَارَةَ” طَاقَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَبْعَثُ فِي الرُّوحِ الْأَمَلَ، وَتُجَدِّدُ الصِّلَةَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. هِيَ أَوَّلُ مَا يَطْرُقُ سَمْعَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِيُثَبِّتَهُ، وَآخِرُ مَا يَلْقَاهُ عِنْدَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ لِيُطَمْئِنَهُ، وَأَعْظَمُ مَا يَهْنَأُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ لِيُفْرِحَهُ.
أَوَّلًا: تَعْرِيفُ الْبِشَارَةُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا:
الْبِشَارَةُ لُغَةً:
تُشْتَقُّ الْبِشَارَةُ مِنَ “الْبَشَرَةِ”؛ وَهِيَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ السَّارَّ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى وَجْهِ صَاحِبِهِ فَيَتَهَلَّلُ وَيَسْتَنِيرُ.
فَالْبِشَارَةُ هِيَ: كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَفِي الْخَيْرِ أَغْلَبُ
التعريفات للجرجاني ، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي).
الْبِشَارَةُ اصْطِلَاحًا :
هِيَ الْإِخْبَارُ بِأَمْرٍ سَارٍّ تَظْهَرُ عَلَامَاتُ الْفَرَحِ بِهِ عَلَى مَلَامِحِ الشَّخْصِ الْمُتَلَقِّي لِلْخَبَرِ.
” وَالْبِشَارَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْخَيْرِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالشَّرِّ إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم (34)} [التوبة].
مختار الصحاح الرازي . وَغَالِبًا مَا يَأْتِي هَذَا الِاسْتِخْدَامُ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ .
الْبِشَارَةُ كَمَنْهَجٍ دَعْوِيٍّ:
* جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَظِيفَةَ الرُّسُلِ الْأَسَاسِيَّةَ هِيَ “التَّبْشِيرَ” قَبْلَ “التَّحْذِيرِ”، تَقْدِيمًا لِلتَّرْغِيبِ عَلَى التَّرْهِيبِ، وَفَتْحًا لِأَبْوَابِ الرَّجَاءِ.
• يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165].
• وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ؛ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» البخاري ، وصحيح مسلم .
ثَانِيًا: الْبُشْرَى فِي حَيَاةِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ – تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ .
* لَقَدْ كَانَتِ الْبُشْرَى رُوحًا تَسْرِي فِي مُجْتَمَعِ الصَّحَابَةِ، يَتَبَاشَرُونَ بِهَا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَيَرَوْنَهَا ثَمَرَةَ الْإِيمَانِ وَعَلَامَةَ الْقَبُولِ.
بُشْرَى التَّوْبَةِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ كَانَتْ أَعْظَمَ بُشْرَى فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، قَالَ:
قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا،”فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ قَوْمِي… إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ… قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ». قَالَ كَعْبٌ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، فَعَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْهُ…” أخرجه البخاري، ، ومسلم، والمنتظم لابن الجوزي.
فَرِحَ كَعْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَحًا لَمْ يَمْلِكْ مَعَهُ إِلَّا أَنْ يَنْزِعَ ثَوْبَيْهِ وَيَكْسُوهُمَا لِلْبَشِيرِ.
بُشْرَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ كَانَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ بَشَّرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَوَّلِ لِقَاءٍ مَعَ الْوَحْيِ، فَكَانَتْ سَنَدًا نَفْسِيًّا وَمَعْنَوِيًّا عَظِيمًا. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قِصَّةِ بَدْءِ الْوَحْيِ: “فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ بُشْرَى وَتَثْبِيتًا مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهَا، فَسُرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِهَا وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، ). وَقَدْ بَشَّرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَعْدُ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ” أخرجه البخاري، ، ومسلم، أخرجه مسلم ، وأحمد بنحوه.
ثالثا : صُوَرٌ وَنَمَاذِجُ مِنْ بَشَارَاتِ الْمُؤْمِنِينَ .
١- الْبِشَارَةُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْتَظِرُ الْآخِرَةَ لِيَعْرِفَ مَصِيرَهُ، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ “بَشَائِرَ” تَعَجَّلُ لَهُ الْفَرَحَ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَتَكُونُ وَقُودًا لَهُ لِمَزِيدٍ مِنَ الطَّاعَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُون (25)} [البقرة].
٢- ثَنَاءُ النَّاسِ وَالْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ :
حِينَ يَضَعُ اللَّهُ الْقَبُولَ لِلْعَبْدِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ، فَهَذِهِ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»
رواه مسلم .
٣- الْبِشَارَةُ بِالْمَشْيِ إِلَى الْمَسَاجِدِ:
-الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَمْشِي إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ: مُبَشَّرٌ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ: بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
٤- الْبِشَارَةُ لِلْخَائِفِينَ مِنَ اللَّهِ .
بَشَّرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَائِفِينَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ fَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم (11)} [يس]. فَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بَاعِثًا عَلَى الْيَأْسِ، بَلْ هِيَ طَرِيقٌ إِلَى الْبُشْرَى .
٥ – الْبِشَارَةُ لِلْأَوْلِيَاءِ :
قَالَ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (64)} [يونس]. فَهَذِهِ الْآيَةُ عَقْدُ ضَمَانٍ إِلَهِيٍّ بِأَنَّ الْبُشْرَى مُلَازِمَةٌ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَهِيَ بُشْرَى بِالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الْقَلْبِ، وَالْفَرَحِ بِرِضَا اللَّهِ، وَالتَّوْفِيقِ فِي الْأَعْمَالِ، وَالرُّؤَى الصَّالِحَةِ، حَتَّى يُبَشَّرُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ بِالْجَنَّةِ، وَفِي الْقَبْرِ بِالرِّضْوَانِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ.
٦- الْبِشَارَةُ لِلصَّابِرِينَ .
الَّذِينَ يَسْتَعِيضُونَ عَنِ الْجَزَعِ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، فَاللَّهُ جَعَلَ الصَّبْرَ – مَعَ كَوْنِهِ شَاقًّا عَلَى النَّفْسِ – سَبَبًا لِبِشَارَتَيْنِ: بِشَارَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ، وَبِشَارَةٌ فِي الْآخِرَةِ بِالْهِدَايَةِ:
قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِين (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (157)} [البقرة]. فَفِي الْمِحَنِ، تَظْهَرُ قِيمَةُ الْبِشَارَةِ كَبَلْسَمٍ لِلْجِرَاحِ، وَمُحَفِّزٍ لِلصَّبْرِ الْجَمِيلِ
٧- بِشَارَةُ بَيْتِ الْحَمْدِ: مِنْ أَعْظَمِ الْبَشَائِرِ لِمَنْ فَقَدَ حَبِيبًا وَصَبَرَ، بِنَاءُ بَيْتٍ لَهُ فِي الْجَنَّةِ.
• عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِرَقْمِ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَحَسَّنَهُ العلماء.
الْخَاتِمَةُ .
إِنَّ الْبِشَارَةَ فِي دِينِنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَرَفٍ فِكْرِيٍّ، بَلْ هِيَ ضَرُورَةٌ حَيَاتِيَّةٌ يَسْتَقِيمُ بِهَا حَالُ الْعَبْدِ، فَيَعِيشُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءً، مُتَمَسِّكًا بِحَبْلِ اللَّهِ، مُسْتَبْشِرًا بِفَضْلِهِ. فَلْيَكُنْ لِسَانُ حَالِنَا دَائِمًا التَّبْشِيرَ بِالْخَيْرِ، وَبَثَّ الْأَمَلِ فِي نُفُوسِ الْقَانِطِينَ، اقْتِدَاءً بِنَبِيِّنَا الْكَرِيمِ الَّذِي كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ التَّشَاؤُمُ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِشَارَةَ فِي جَوْهَرِهَا هِيَ “تَرْمِيمٌ لِلْأَرْوَاحِ” وَإِعَادَةُ بِنَاءٍ لِلثِّقَةِ بِوُعُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
لَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْجَوْلَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَتْرُكِ الْإِنْسَانَ فَرِيسَةً لِلْيَأْسِ أَوِ التِّيهِ، بَلْ أَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ مِنَ الْبَشَائِرِ؛ تَبْدَأُ بِرُؤْيَا صَالِحَةٍ، وَتَمُرُّ بِثَنَاءٍ حَسَنٍ، وَتُتَوَّجُ بِتَثْبِيتِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ، لِتَسْتَقِرَّ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ. إِنَّ الِاسْتِبْشَارَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شُعُورٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ تَقْتَضِي إِحْسَانَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَنَشْرَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي مُجْتَمَعٍ أَثْقَلَتْهُ الْهُمُومُ، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَحْمِلُ “مِشْكَاةَ الْبِشَارَةِ” لِيُضِيءَ بِهَا دُرُوبَ الْقَانِطِينَ، عَمَلًا بِقَوْلِ الْمُصْطَفَى ﷺ: “وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا”.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَا مَنْ سَبَقَتْ بَشَائِرُ فَضْلِكَ كَوَامِنَ نِقَمِكَ، نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ أَنْ تَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْبِشَارَةِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
اللَّهُمَّ بَشِّرْ قُلُوبَنَا بِمَا يَسُرُّهَا، وَكَفَّ عَنْهَا مَا يَضُرُّهَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُسْتَبْشِرِينَ بِعَطَائِكَ، الصَّابِرِينَ عَلَى بَلَائِكَ، الشَّاكِرِينَ لِنَعْمَائِكَ.
اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا عَاجِلَ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ؛ قَبُولًا فِي الْأَرْضِ، وَمَحَبَّةً فِي الْقُلُوبِ، وَرُؤًى صَالِحَةً تُثْلِجُ صُدُورَنَا، وَتُثَبِّتُ بِهَا أَقْدَامَنَا عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ.
اللَّهُمَّ وَبَشِّرْنَا عِنْدَ خُرُوجِ أَرْوَاحِنَا بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَانَ، وَاجْعَلْ مَلَائِكَتَكَ تَنْزِلُ عَلَيْنَا بِالْبُشْرَى: “أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ”.
اللَّهُمَّ بَشِّرْنَا بِمَغْفِرَةٍ تَمْحُو بِهَا خَطَايَانَا، وَبِرَحْمَةٍ تَلُمُّ بِهَا شَعَثَنَا، وَبِعَفْوٍ يَرْفَعُ دَرَجَتَنَا فِي عِلِّيِّينَ.
اللَّهُمَّ وَبَشِّرْنَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْكَ بِكِتَابٍ بِالْيَمِينِ، وَسِتْرٍ جَمِيلٍ، وَمُرُورٍ كَالْبَرْقِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَسُقْيَا مِنْ حَوْضِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُبَشِّرِينَ لَا الْمُنَفِّرِينَ، وَمِنَ الْمُيَسِّرِينَ لَا الْمُعَسِّرِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا الْبُشْرَى الْعُظْمَى بِرُؤْيَةِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا، وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا، وَبَشِّرْنَا بِالْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى نَحْنُ وَوَالِدِينَا وَمَنْ نُحِبُّ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْبُشْرَى مَا يَمْلأُ قُلُوبَنَا إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَيُثَبِّتُ أَقْدَامَنَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيَجْعَلُنَا مِنَ الْمُبَشِّرِينَ بِرِضْوَانِكَ وَجَنَّتِكَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الْمُبَشِّرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
التعليقات مغلقة.