الانتفاضة
مرة أخرى، وبعد أن اجتاحت الفيضانات مناطق واسعة من المغرب، خرج وزير التجهيز والماء نزار بركة ليتحدث ـ دون أدنى حرج ـ عن “التدخل الفوري” و“الإجراءات العاجلة” و“التنسيق الجماعي”، وكأن المغاربة لا يعيشون ذاكرة مثقلة بخمس سنوات من الغياب، وسنوات من التدبير المرتبك، ووزارة لم تحضر إلا بعد وقوع الكارثة.
فأين كان نزار بركة طوال قرابة خمس سنوات؟
أين كانت وزارته حين كانت التحذيرات قائمة؟
أين كانت خرائط المخاطر، وأطالس الفيضانات، وخطط الاستباق، قبل أن تغرق المدن والقرى وتُهدد أرواح المواطنين؟
في سنوات الجفاف، كان الوزير نفسه يختبئ خلف شماعة “غياب الأمطار”، ويبرر فشل السياسة المائية بندرة التساقطات. وحين نزل المطر أخيراً، لم ينزل رحمة فقط، بل نزل أيضاً ليكشف عورة التدبير الحكومي، وليفضح هشاشة البنيات، وسوء تدبير السدود، وغياب رؤية حقيقية لحماية الماء والإنسان معاً.
اليوم، وبعد أن غرقت المناطق، يتحدث الوزير عن “لجنة وطنية لليقظة”، وعن “تنسيق” و“نشر وسائل بشرية ولوجيستية”، وهي العبارات نفسها التي تتكرر بعد كل فاجعة، دون أن يلمس المواطن أثراً فعلياً لها على أرض الواقع.
إجراءات تأتي دائماً متأخرة، وكلمات تُقال دائماً بعد فوات الأوان.
والمفارقة الصارخة أن نزار بركة نفسه يعترف، ولو ضمنياً، بأن التدخل الحقيقي والحاسم لم يكن حكومياً، بل جاء بتعليمات سامية من الملك محمد السادس، الذي أمر بتدخل فوري للقوات المسلحة الملكية لحماية أرواح المواطنين.
ولولا هذا التدخل الملكي، لكانت الكارثة أعمق، ولضاع المواطن المغربي بين عجز الحكومة وبطء أجهزتها.
الحقيقة التي لم يعد بالإمكان القفز عليها، هي أن هذه الحكومة، منذ مجيئها، ارتبط اسمها بسلسلة من الأزمات والكوارث: زلازل، انهيارات، غلاء، جفاف، ارتباك اجتماعي، والآن وقبلها فيضانات. وكأن المغاربة يعيشون مع حكومة كوارث، لا تحضر إلا لتبرير الفشل، ولا تتحرك إلا بعد أن تقع الفاجعة.
وزارة التجهيز والماء ليست وزارة بيانات صحفية ولا لجان تُعقد بعد الكوارث، بل وزارة يفترض أن تكون في صلب الاستباق والتخطيط وحماية البلاد من المخاطر الطبيعية.
لكن الواقع يؤكد أن ما سمعناه اليوم من نزار بركة ليس سوى خطاب تبريري متأخر، ومحاولة لتجميل صورة تدبير لم ينجح في الجفاف ولا في المطر.
الفياضانات لم تكن قدراً أعمى، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وسوء التخطيط، وغياب رؤية واضحة لتدبير الماء وحماية المجال. ومن غير المقبول أن يخرج وزير بعد كل كارثة ليحدثنا عن “إجراءات وهمية” لم تمنع غرق مدينة، ولم تحمِ بيتاً، ولم تطمئن مواطناً.
في المغرب، أثبتت الأحداث مرة أخرى أن صمام الأمان الحقيقي هو المؤسسة الملكية، لا حكومة تائهة بين التبرير والتأخر.
أما الوزراء الذين يظهرون فقط أمام الكاميرات بعد الكوارث، فالمغاربة لم يعودوا يصدقونهم لأن الواقع، للأسف، صار أبلغ من كل التصريحات.